عيش حرية عدالة إجتماعية

“إيه المشكلة” في حجب المواقع الإلكترونية في مصر (ورقة موقف)

213

قالت شبكة صحفيون ضد التعذيب في رسالة جديدة لحق بشأن الصحفيين في مصر، وقالت عبر موقعها الإلكتروني تحت عنوان ” “إيه المشكلة” في حجب المواقع الإلكترونية في مصر (ورقة موقف)” بتاريخ “2017-06-07T12:01:12+00:00” أن :

“إيه المشكلة” في حجب المواقع الإلكترونية في مصر (ورقة موقف)
June 7th, 2017
في أول رد فعل على قرار حجب 21 موقعًا إلكترونيًا ضمتهم القائمة الأولى التي تمددت فيما بعد لتشمل 4 آخرين، قال مسؤول في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لوكالة رويترز:”معنديش معلومة، بس فيها إيه لو (الخبر) حقيقي؟ إيه المشكلة؟” (!)
سؤالًا مهمًا طرحه المسئول (المجهول) في الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، تحتاج الإجابة عليه إلى طرح المزيد من الأسئلة عن حرية الصحافة في مصر وحق الجمهور في المعرفة، وإلى أي مدى هناك إرادة -من كل الأطراف- لحمايتها، كما تحتاج الإجابة الرجوع إلى الدستور والقوانين المنظمة لعمل الإعلام في مصر، وبخاصة تلك النصوص التي تؤكد على احترام حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير.
كما تحتاج الإجابة على سؤال (المسئول) معرفة ما هي العلاقة التي تربط بين تصريحات (حقيقية أو مفبركة) لأمير قطر، بصدور قرار غير معروف من أصدره بحجب مواقع مصرية حاصلة على تراخيص قانونية، بدعوى دعم الارهاب والحصول على تمويل من قطر، دون معرفة ما هو القانون الذي استند إليه الحجب ولأي مدة يمكن أن يمتد؟.
تحاول هذه الورقة البحثية أن تجد إجابة على السؤال المهم الذي طرحه مسئول في وزارة الاتصالات، في ظل الغياب الحاد للمعلومات. وتعرض في الوقت نفسه لما حدث حتى الآن فيما يتعلق بقضية حجب 25 موقعا إلكترونيًا من بينهم  6 صحف ومواقع إلكترونية مصرية ليس لها علاقة بقطر أو بالإرهاب، وفي النهاية تسجل موقفا لـ “مرصد صحفيون ضد التعذيب ”  في سابقة حجب السلطات المصرية لمواقع إلكترونية  في ظل وجود قانون الطوارئ (المؤقت).
تصريحات لأمير قطر تغلق مدى مصر
في اليوم التالي لتصريحات غاضبة لأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني ووزير خارجية بلاده، انتقدت موقف بلدان عربية من بينها مصر ، سارعت الأخيرة بحجب عدة مواقع إلكترونية بلغت في قائمتها الأولى 21 موقعا من بينها مواقع تابعة لدولة قطر، هي: الشرق، العرب، الراية القطرية، الوطن القطرية، وموقع قناة الجزيرة، تلفزيون قطر، وكالة الأنباء القطرية، موقع عربي 21، موقع صحيفة الشعب، الحرية بوست، حسم، بوابة القاهرة، هافينجتون بوست العربية، حماس أونلاين، إخوان أونلاين، شبكة رصد، كلمتي، نافذة مصر، تطبيق نبض الإخباري، موقع صحيفة المصريون، موقع مدى مصر، وقالت (مصادر) لموقع قناة العربية إن حجب المواقع المذكورة  جاء “لتضمنها محتوى يدعم الإرهاب والتطرف ويتعمد نشر الأكاذيب”، وأضافت (المصادر) أنه سيكون هناك قائمة أخرى من المواقع “بعد ثبوت تورطها في الدعوة للعنف والتحريض والترويج لجماعة الإخوان الإرهابية”، ومنها مواقع قناتي مكملين والشرق .
وعلى الرغم من أن دولتي السعودية والإمارات العربية قد اتخذت قرار الحجب نفسه، إلا إن قائمة البلدين اشتملت على مواقع إلكترونية لصحف ووسائل إعلام قطرية، لكن قائمة مصر أخذت في التمدد خلال الأيام التالية لقائمة الحجب الأولى، لتنضم إليها مواقع: مصر العربية، محيط، وموقع صحيفة البورصة وديلي نيوز إيجيبت الصادرة باللغة الإنجليزية، لتصبح قائمة المواقع الإلكترونية التي حجبتها السلطات المصرية-حتى كتابة هذه الورقة- 25 موقعا إلكترونيا.
اللافت أن الجهة التي أصدرت قرار الحجب واختارت قائمة المواقع المحجوبة مازالت (مجهولة)، كذلك جملة الأسباب التي دفعت بمواقع مثل: مدى مصر، مصر العربية، موقع صحيفة المصريون، بوابة القاهرة، وموقع صحيفة البورصة الاقتصادية وصحيفة تصدر باللغة الإنجليزية سبق وكتب لها الرئيس عبد الفتاح السيسي مقالين في عامي 2014 و2015 عن السياسات الاقتصادية لمصر كرسالة موجهة للمستثمرين الأجانب قبل مؤتمر مؤسسة يورومني ، إلى قائمة الحجب.
المواقع المصرية الستة ضمن قائمة الحجب لا تزال تحاول التكهن بمن يقف خلف قرار الحجب، فموقع مدى مصر قال في بيان صدر مساء الخميس 25 مايو إن “أن البيان الرسمي الصادر وصل إلى الصحف ووكالات الأنباء من رئاسة الجمهورية، وأن وزارة الداخلية نفت في تصريحات صحفية غير رسمية أن تكون لها أية علاقة باتخاذ قرار الحجب أو تنفيذه” ، ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن (مصدر أمني رفيع المستوى) بأن قرار الحجب جاء بعد اتخاذ ” الإجراءات القانونية المتبعة حيال هذه المواقع”، في حين أكد مصدران أمنيان لوكالة رويترز بأن “المواقع حجبت لانتمائها لجماعة الإخوان المحظورة أو لتمويل قطر لها” ، لكن دون توضيح أي دليل على أن المواقع الإلكترونية المصرية الخمسة المحجوبة تتبع جماعة الإخوان أو تمول من قطر، وهي بالأساس شركات مصرية لديها ترخيص إما من وزارة الاستثمار في حالة مدى مصر، أو تحمل ترخيصا من المجلس الأعلى للصحافة كما في حالة صحف: البورصة، ديلي نيوز إيجيبت والمصريون.
آخر ظهور للجهة المجهولة في ملف المواقع المحجوبة كان في تقرير (مثير للجدل) أرسلته جهة ما إلى صحيفة المصري اليوم وصفتها الصحيفة بـ “مصادر مسئولة رسمية” دافعت فيه تلك المصادر عن قرار الحجب، في تقرير حمل عنوان “حجب مصر لمواقع إلكترونية ذات محتوى داعم للإرهاب والتطرف ورصد تجارب الدول الأجنبية والعربية في حجب المواقع الإلكترونية” ، قالت فيه-أي المصادر المسئولة- بأن حجب مواقع إلكترونية هو “حق أصيل” للدول يكفله لها القوانين الدولية والوطنية، بالإضافة إلى أن رقابة شبكات التواصل الاجتماعي هو “حق مشروع قانونا” بشرط عدم اختراق الحياة الخاصة.
وأضاف التقرير إن هناك “عدد كبير من دول العالم” تحجب مواقع إلكترونية، أبرزها: الصين، سوريا، إيران، أثيوبيا، أوزباكستان، كوبا، فيتنام، السعودية، البحرين، باكستان، وأن أكثر من ثلثي بلاد العالم يمنعون المواقع بسبب: الإرهاب، الدعارة، الهجرة غير الشرعية، وغسيل الأموال .
اللافت ليس تقرير (السلطات المصرية) ولا الحجج الواهية التي ساقتها للتدليل على سلامة القرار الذي اتخذته، لكن توقيته بحد ذاته يضرب القرار من جذوره، ويجعل من الإرهاب كذريعة في حجب المواقع أمر مشكوك في صحته، فالجزء الأكبر من المواقع التي حجبتها الإمارات والسعودية والبحرين ومصر كانت متاحة للتصفح قبل تصريحات أمير دولة قطر، فإذا كان دعم تلك المواقع للإرهاب هو سبب الحجب فلماذا لم يتم اتخاذ إجراء بشأنها من قبل خاصة أن قانون الإرهاب مطبق في مصر منذ أغسطس 2015، وكيف يتم حجب موقع الكتروني لمؤسسة يصدر عنها صحيفة مطبوعة، وتستمر المطبوعة مع وصم الموقع بدعم الإرهاب مع أن الأصل أن سياسة الوسيط الإلكتروني هي نفسها السياسة المتبعة في المطبوع، ومعظم المحتوى المطبوع سبق نشره على الموقع الإلكتروني!
لم تلاحظ (المصادر المسئولة) أن الدول التي ذكرتها كأبرز الدول حجبا لمواقع إلكترونية، إما ضد حرية الرأي والتعبير كالصين وباكستان والسعودية  أو توصف بأنها دولا إرهابية وتدعم الإرهاب كـ “إيران”!
الجزء الثاني من التقرير الرسمي والذي استعرض تجارب عدة دول من بينها الولايات المتحدة فيما يتعلق بقرار حجب مواقع إلكترونية، لم يخل من “الأخطاء والمغالطات” بحسب تقرير نشره موقع “المنصة” .
قال التقرير الرسمي إن وزارة الدفاع الأمريكية قررت منع جميع أفراد الجيش من الدخول إلى مواقع الإنترنت التي تنشر مواد تم تسريبها بطريقة غير قانونية، وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع “إذا ما قام أي موقع بنشر مادة تعتبرها وزارة الدفاع سرية فإنه سيتم حجبها” ، لكن التقرير الذي نشره موقع المنصة يشير إلى أن ما ذكره التقرير الرسمي “ناقصا ومضللا”، ودلل على ذلك بأن وزارة الدفاع الأمريكية لم تحجب سوى “أجزاء من موقع جريدة الجارديان، والمواقع التي تنقل منها” على خلفية تسريبات إدوارد سنودن “التي نشرتها الجارديان والتي تتعلق ببرامج المراقبة السرية لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية”، لكن الحجب “لم يتجاوز الجارديان، ولم يشمل حتى الموقع كله”، بالإضافة إلى أن الحجب لم يطبق إلا على المؤسسات والقطاعات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية وأفرادها، ولم يتم حجب موقع الجارديان أمام المدنيين .
صباح يوم الاثنين 29 مايو تمكن (بعض) متابعي موقع مدى مصر من الدخول إليه من خلال شبكات إنترنت مختلفة إلا أن الموقع نفسه نشر على صفحته على موقع فيسبوك أنه على الرغم من “نجاح قطاع من قرائنا في الوصول لموقع مدى مصر، فإن الموقع لا يزال محجوبًا على عدد من مقدمي خدمة الإنترنت”، وأضاف الموقع “لم تُخطِرنا أي سلطة حتى الآن بحدوث الحجب أو سببه” ، وفيما يبدو كان نجاح بعض متابعي “مدى” من الوصول إليه كان “نجاحا مؤقتا”، وعاد الوضع إلى ما كان عليه منذ 25 مايو، ولم يتمكن أي من مستخدمي الإنترنت في مصر من الدخول إلى الموقع بصورة “طبيعية”.
لجأ موقع “مدى” منذ اليوم الثاني لحجبه إلى نشر محتواه عبر جوجل درايف ثم فيس بوك، مع الاستمرار في تحديث الموقع لمتابعيه من خارج مصر، لكن الغضب من “عدم الوضوح وغياب الشفافية” عبرت عنه لينا عطا الله أحد مؤسسي الموقع ورئيس تحريره، قائلة لموقع “المونيتور” :”لقد فاجأنا الحجب، لأنه ليس المعيار السائد بكل بساطة. اعتدنا السماع عن اعتقالات واضطهاد تطال الصحفيين، وإغلاق وسائل إعلامية، إنما ليس الحجب بهذه الطريقة” ،
واشتكت عطا الله من أن جهودها وزملائها في البحث عن مصدر وسبب قرار الحجب لم يسفر عن نتيجة قائلة:”لا أحد يتحمّل مسؤولية هذا الإجراء أو يقول لنا لماذا حدث ذلك”، 
من الصعب على متابعي الموقع “تصديق” أن “مدى” يحرض على الإرهاب أو ممول من “قطر” أو له صلة بجماعة الإخوان المسلمين، موقع “مدى”  الذي يعد منصة مستقلة يديرها صحفيون ليبراليون، جزء منهم كان يعمل في السابق لدي صحيفة “إيجيبت إندبندنت” الناطقة بالإنجليزية والتي أغلقت في أبريل 2013، والموقع بدأ في منتصف العام نفسه بتقديم رؤية “مغايرة”  للأحداث في مصر منذ منتصف 2013، وفي الفترة الأخيرة تحديدا تطرق إلى ملفات “حساسة” مثل الفساد وتوسيع الجيش لأنشطته في قطاع الأعمال، وتعتقد رئيس تحرير “مدى” إن هذا هو السبب خلف تضمين الموقع في قائمة المواقع المحجوبة، قائلة “خلال الأشهر القليلة الماضية تضمّن أحياناً انتقادات للسياسات الحكومية، ولا بد من أنه تسبّب بالإحراج لبعض الأشخاص في الحكومة” .
الغضب نفسه الممزوج بالاستنكار والدهشة عبر عنه بيان صادر عن صحيفتي “ديلي نيوز إيجيبت” و”البورصة”، واللتين تم حجبهما يوم الأحد 28 مايو ولم تضمهما قائمة الحجب الأولى، واعتبرتا أن القرار  “غير مفهوم وغير مبرر” خاصة بعد 10 سنوات هو عمر صحيفة البورصة الاقتصادية، وانضمت إليها صحيفة “ديلي نيوز” منذ 5 سنوات، ويساهم في الشركة الإعلانية التي تقوم بتمويل وتسويق المشروع  مستثمر سعودي بنسبة 50 %، كما إنهما تعملان بترخيص من المجلس الأعلى للصحافة.
“الحجب” لم يكن الانتهاك الوحيد بحق الصحيفتين، فالبيان السابق الإشارة إليه تضمن معلومات عن “التحفظ” على أسهم وحسابات شركة بزنس نيوز المصدرة للصحيفتين، في نوفمبر الماضي، والتحفظ على أموال مؤسسها ورئيسها السابق مصطفى صقر”بدون استجواب أو إخطار، قبل أن يتم التصعيد”، كما أشار البيان إلى قيام “عناصر أمنية” باقتحام مقر الصحيفتين “بدعوى التحقق من ملكية برامج الكمبيوتر المستخدمة، بينما كان شاغلهم الأكبر التفتيش في أرشيف صحيفة “ديلي نيوز”، رغم أنه متاح على الموقع الإلكتروني للصحيفة”.
أكدت الصحيفتان في بيانهما بأنهما “لا تنتميان أو أياً من العاملين بهما أو المؤسسين إلى أى فصيل حزبي أو سياسي أو تيار ديني”، وفي نفس الوقت اختارت إدارة الصحيفتين الاستمرار في تقديم “الخدمة التي اعتاد عليها القراء” عبر الطبعات الورقية ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والاستمرار في تحديث الموقعين بشكل طبيعي للقراء من خارج مصر.
“استنكار” البورصة وديلي نيوز إيجيبت ربما يكون أضعاف موقع “مدى مصر”، حيث إن “ديلي نيوز إيجيبت” الصادرة باللغة الإنجليزية، هي الصحيفة التي اختارها الرئيس السيسي أن يكتب فيهما مقالين في عامين متتاليين، عن السياسات الاقتصادية لمصر، كرسالة للمستثمرين الأجانب المشاركين في مؤتمر مؤسسة “يورومني”، واعتبرت الصحيفة إن هذا يعتبر دليل على مصداقية الصحيفة لدى “رئاسة الجمهورية”، التي ربما تكون هذه الأخيرة هي من أصدرت قرار الحجب بالأساس، مما يطرح أسئلة عن تلك المعايير التي تم اختيار المواقع المحجوبة على أساسها، فإذا كانت الغالبية العظمى من المواقع هي مواقع رسمية قطرية، أو تابعة لقطر وناطقة باسمها، أو ممولة منها، بالإضافة إلى مواقع أخرى تعتبر لسان جماعة الإخوان المسلمين “المحظورة”، وموقع “مدى” نشر مؤخرا تقارير تتطرق إلى معلومات “حساسة”، ما أسباب إضافة موقعي البورصة والديلي نيوز إيجيبت وهما تتمتعان بمصداقية لدى “الرئاسة”؟!
قرار التقدم بشكوى اتخذته المواقع والصحف المصرية الخمسة، وتوجهت الشكاوى إلى جهات عدة: نقابة الصحفيين، المجلس الأعلى للإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة، لم يبت أيا منها في تلك الشكاوى ولم يصدر عنهم موقف “رسمي” بالرفض باستثناء “نقابة الصحفيين” التي تعاني “انقساما” بين فريقين، نقيب الصحفيين من جهة والمستقلون من جهة أخرى!
نقابة الصحفيين، البحث عن رد فعل
“لا أتوقع خطوات جادة” ، تصريح لمحمود سلطان رئيس التحرير التنفيذي لموقع المصريون، التي تصدر أيضا بنسخة ورقية لم يشملها قرار الحجب، وكان يشير بوضوح إلى موقف نقابة الصحفيين، لكن تأمل موقف “نقابة الصحفيين” يشير إلى أن هناك “أزمة” تعيق أي تضامن في مواجهة قرار “الحجب”، فالانتهاك الذي يتطلب تضامن جميع الصحفيين وتنسيق جهودهم في مواجهته، شهد “إنقسامًا واضحا” وتراشق بين فريقين، فريق يتزعمه منفردا-يبدو كذلك- نقيب الصحفيين عبد المحسن سلامة، والفريق الثاني يضم عدد من الأعضاء الحاليين في مجلس النقابة: عمرو بدر، محمود كامل، جمال عبد الرحيم، محمد سعد عبد الحفيظ،  مع خالد البلشي الرئيس السابق للجنة الحريات بنقابة الصحفيين، ورئيس تحرير موقع البداية.
أول تصريح لنقيب الصحفيين كان بتأييد حجب مواقع وسائل الإعلام القطرية والتابعة لجماعة الإخوان المسلمين “طالما هناك ما يمس الأمن القومي المصري”، أمام فيما يتعلق بالمواقع المصرية التي يشملها قرار الحجب وليست مرتبطة بـ”قطر” أو جماعة الإخوان، قال إنه لم يتلق أي شكوى من القائمين على هذه المواقع “وفي حالة ورود شكوى بشأن حجب مواقع مصرية سننظر فيها و سننظر فى نوعية هذه المواقع وسنتواصل مع الأجهزة المعنية في الدولة لمعرفة حقيقة هذا الأمر وإذا كانت هناك مواقع ثبت تورطها لابد أن نلتزم بالقانون” .
بعد عدة أيام نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن النقيب تصريحات تفيد بتلقيه شكاوى بالفعل من مسئولي المواقع الإلكترونية المحجوبة، ووعد بأنه سيوجه مذكرة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بصفته المسئول عن المواقع الإلكترونية، وأضاف بأنه سيبحث أسباب الحجب وهل هناك مشكلات قانونية أم لا .
على صفحته الشخصية على موقع فيس بوك أعلن محمود كامل عضو مجلس نقابة الصحفيين رفضه لقرار الحجب قائلا أن الحجب طال “بالمخالفة للقانون والدستور” مواقع المصريون ومصر العربية والبورصة وديلي نيوز إيجيبت ومدى مصر “حتى جريدة المصريون المطبوعة لم تسلم”، وأضاف إنه تقدم مع عدد من “الزملاء بالمجلس بطلب إلى نقيب الصحفيين لعقد اجتماع طارئ للمجلس لبحث هذه الكارثة وكيفية مواجهتها بآليات محددة، ورغم أن قانون النقابة ينص على وجوب الاستجابة لطلب الاجتماع الطارئ المقدم من 3 أعضاء على الأقل والدعوة له خلال 48 ساعة ، لم يحدث ذلك حتى الآن وسنجدد طلبنا مرة أخرى” .
كان لخالد البلشي رئيس تحرير موقع “البداية” وعضو مجلس النقابة السابق، الموقف نفسه، رفض الحجب ودعا إلى مؤتمر صحفي حاشد” يحضره أصحاب المواقع المحجوبة وصحفيين لدراسة سبل التصعيد والاحتجاج على الحجب “وعودة المصادرة وسياسات كتم الصوت والتشريد”، وسجل البلشي في تدوينته القصيرة على فيس بوك أن هذه الخطوة من جانب الدولة “لم يفعلها مبارك سوى أيام الثورة ولمدة لم تتجاوز عدة ساعات” ، في اليوم نفسه 28 مايو، جدد البلشي دعوته بعقد اجتماع للخروج بموقف واضح تجاه القضية.
قبل الاجتماع “الذي لم يكن حاشدا” بنقابة الصحفيين يوم الأربعاء 31 مايو، طرح المجتمعون من ممثلو عدد من المواقع الإلكترونية المحجوبة وأعضاء بمجلس النقابة- ليس من بينهم النقيب- بمقر موقع البداية، بيانا، قالوا فيه إن “الحجب يمثل تصاعداً جديداً في الهجمة على حرية الصحافة، انتقلت من مرحلة فرض القيود والملاحقات الأمنية إلى المصادرة والمنع والإغلاق”، بما في ذلك ليس فقط من تهديد لاستثمارات، بل انتهاك “صريح” لنصوص القانون والدستور ولحق المواطنين في المعرفة.
واعتبر المجتمعون أن ما حدث “عقاب جماعي” على مخالفات غير موجودة واقع على الصحفيين والعاملين بهذه المواقع، وقرروا تقديم بلاغ جماعي للنائب العام باسم كل المواقع المحجوبة “للمطالبة بإلغاء قرارات الحجب غير القانونية، والوقوف على أسبابها والجهات التي تحركها دون سند من قانون أو دستور”.
“بلاغ للنائب العام” لم يكن هو الإجراء القانوني الوحيد الذي اتفق المجتمعون على اتخاذه، بل “احتفظوا بحقهم” في التصعيد القانوني بالاعتصام داخل النقابة أو التظاهر على سلمها، مع التقدم بشكاوى إلى المجالس والهيئات الخاصة بالصحافة والإعلام .
رغم أن خالد البلشي الذي استضاف الاجتماع، أصدر بيانًا.. إلا أن مساء اليوم نفسه الثلاثاء 30 مايو 2017، صدر بيانًا آخر موقّع من 4 من أعضاء نقابة الصحفيين لغته أكثر “حدة” من بيان البلشي، وصفوا فيه قرار الحجب بـ “اللقيط” صدر عن “جهة مجهولة” وأن أعداء حرية الصحافة في مؤسسات الدولة “يسيطرون على المشهد تماما ويفرضون وجهة نظرهم بعيدا عن كل قانون”.
وأضاف بيان أعضاء النقابة الأربعة: جمال عبد الرحيم، محمد سعد عبد الحفيظ، عمرو بدر، محمود كامل، بأن تلك “الحملة الغبية” لا تستند إلى معايير واضحة بل هي “مجرد حملة للقمع والمصادرة “.
وجدد الموقعون في بيانهم التذكير بأنهم تقدموا بطلب لعقد اجتماع “طارئ” لمجلس النقابة لكنهم لم يتلقوا أي إجابة، مع التسجيل بأن عدم الاستجابة للدعوة تعد “مخالفة صريحة لقانون النقابة واللائحة التنفيذية”، وإنهم كانوا يتوقعون بأن النقيب “سيسارع بالدعوة إلى اجتماع طارىء” لبحث الأزمة، لكن ذلك على ما يبدو لم يحدث.
ما حدث هو “أزمة” طرفيها النقيب وأعضاء من مجلس النقابة عبر عن جزء منها بيانهم -السابق الإشارة إليه، لكن ذروتها لم تظهر إلا من خلال تدوينة قصيرة لمحمود كامل في اليوم السابق لعقد مؤتمر صحفي في النقابة، قال فيها إن “النقيب” يتهمهم بـ”بالعمل خارج إطار العمل المؤسسي”، وفي المقابل اتهم “كامل” النقيب بأنه لم يحترم القانون وتجاوزه، وذكّره في الوقت نفسه بأن “المواقع المصرية التي وصفها بأنها تدعم الإرهاب كانت منذ أيام خلال مارس قبيل الانتخابات هي التي أتت به نقيبًا” ، وإنه لا يعترف بدعوة أعضاء مجلس النقابة لاجتماع “مساندة المواقع المحجوبة” فيما ينم عن عدم معرفة بقانون النقابة.
في المؤتمر الصحفي الذي عٌقد في مقر نقابة الصحفيين، الأربعاء 31 مايو 2017، بمشاركة ممثلون عن المواقع المصرية المحجوبة، وأعضاء من مجلس النقابة وانضم إليهم نواب في البرلمان، انتهى المجتمعون إلى الاستقرار على هيئة دفاع موحدة لتمثيلهم، كما أعلن أعضاء مجلس النواب تقدمهم “بمذكرة قانونية لعدد من لجان المجلس لبحث الحجب” .
أثناء انعقاد المؤتمر أصدرت “هيئة مكتب نقابة الصحفيين” بيانًا، قالت فيه أنها ترحب بكل الآراء المؤيدة والمعارضة، كما “ترحب بأي رغبة أصيلة لدعم حق الزملاء الصحفيين فى العمل بالمواقع وإعادة تشغيلها بعيدًا عن المزايدات والمعارك الوهمية التي تعطل الأمور أكثر مما تساهم في حلها”، وأكدت على أن النقابة تتابع الموقف ومستعد للمشاركة التي ستُشكل لبحث شكاوى المواقع المصرية المحجوبة، لكنها -أي النقابة” تقف “تماما” في صف غلق المواقع الأجنبية التي تهدد الأمن القومي المصري “كما فعلت الدول الشقيقة في السعودية والإمارات العربية” .
يمكن للمراقب لأزمة “الحجب” أن يرى كيف تم تحويل القضية ليصبح “الحجب” هو خلفية الصراع داخل مجلس النقابة، وليس كما يُتوقع بأن تكون القضية الرئيسية هي قضية حجب مواقع إلكترونية وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية مباشرة وغير مباشرة على وضع الصحافة “المتردي” بالأساس، ويمكن النظر إلى موقف الأطراف المختلفة داخل مجلس النقابة وتحركهم من أجل القضية في نقاط رئيسية:
– هناك عدم تجانس في توجهات أعضاء مجلس نقابة الصحفيين بعد انتخابات التجديد النصفي الأخيرة التي دفعت بنقيب جديد مع استمرار أعضاء في المجلس السابق، وبمجرد النظر يمكن ملاحظة تباين مواقفهم وتوجهاتهم مما يعني أن قضية “الحجب” لن تكون الخلاف الوحيد بل هي الاختبار الأول لكل الأطراف، ولم يظهر حتى الآن أن أيا منهم نجح فيه، على الأقل إذا كانت النتائج المطلوبة هي إلغاء القرار وعودة المواقع الإلكترونية (المصرية) إلى العمل بصورة طبيعية داخل مصر، فهل يعني ذلك أن في كل قضية تواجه الصحفيين سنجد صراعا داخل مجلس النقابة بشأنها ولن ينجحوا في الخروج بموقف واحد واضح؟ 
– أثناء اشتعال أزمة “الحجب” تم اختيار “النقيب” رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، إذن لا يوجد “غموض” حول موقفه من تأييد موقف الدولة في قضية حجب المواقع الإلكترونية ومصادرة الصحف بشكل عام، حتى وإن لم يكن يدرك على وجه الدقة من هي الجهة صاحبة القرار و جملة الأسباب والقوانين التي تدعمه، مما يعني أن طوال فترة توليه منصب النقابة لن ينجح في التفرقة بين منصبه في مؤسسة الأهرام ودوره كنقيب للصحفيين، ليس فقط أعضاء النقابة بل هؤلاء الذين لا يحملون عضويتها ولا يُنتظر أن ينالوها، وضرورة أن يدعم الحريات بشكل عام وحرية الصحافة خصوصا، 
– التحركات القانونية وكلمات الشجب والإدانة والتوصيفات “الحادة” التي استخدمها أعضاء النقابة المستقلون في وصف قرار السلطات بحجب مواقع مصرية، بالإضافة إلى رؤية أن “الاعتصام المؤقت” في مقر النقابة أو تقديم بلاغ إلى النائب العام، يبدو أنها ردود فعل “مستهلكة للغاية” في مقابل إجراء يعد سبقا لم تنتهجه السلطة من قبل تجاه المواقع الإلكترونية، كما أن الإخفاق في الحصول على تضامن واسع من الصحفيين على اختلاف توجهاتهم ومؤسساتهم جعل القضية -حتى الآن- تبدو كما لو كانت تخص المحجوبة مواقعهم فقط.
– الجانب الآخر الذي جعل من تحرك الصحفيين في مقابل قرار الحجب “فقيرا للغاية”، مناهضة القرار من منطلق أنه أضر بمصدر رزق الكثير من الصحفيين، فقضية حجب المواقع الإلكترونية كخطوة تعد سابقة في تعامل الدولة مع الإعلام الإلكتروني، ليست قضية “مصدر رزق” بالدرجة الأولى بل قضية إلى أي مدى أضر القرار بالتعددية وحرية التعبير والمتبقي من حرية الصحافة، حاليا ومستقبلا، وهل نتوقع أن يُنتهج “الحجب” كسياسة دائمة تجاه الأصوات المعارضة، أو التي تقدم رأيا “غير مرغوب فيه”؟
– تعاملت “الدولة” مع القضية من البداية عبر سياسة “الصمت” حتى تنتهي الهتافات المعترضة ويصبح القرار ساريا من تلقاء نفسه، فيما يبدو أنه جاء بعدما اختبرت موقفا مشابها في مواد الصحافة في قانون الإرهاب الذي تم إقراره منذ عامين، فالرد على الاعتراضات والاستجابة ولو بالموافقة على الجلوس إلى طاولة مفاوضات -بغض النظر إلى ما انتهت إليه- جعل الدولة هذه المرة تلجأ إلى صمتا تاما حتى لا تجد نفسها تتفاوض من أجل السماح بتمرير خمس مواقع من قائمتها الطويلة، وكان هذا يستلزم من الصحفيين أن يعيدوا تشكيل أسلوبهم في التحرك حتى يتناسب مع “السياسة الجديدة”، بدلا من التنديد بالقرارات “الغبية” و”اللقيطة”!
الحجب بين الدستور والقانون وتجربة “فرنسا”
علق ضياء رشوان عضو الهيئة الوطنية للصحافة على قضية حجب المواقع الإلكترونية، في برنامج “ما وراء الحدث” الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، مدافعًا عن القرار وقال إنه جاء متأخرًا كثيرا عن فرنسا، التي أصدرت تشريعًا بإغلاق المواقع التي تدعو للإرهاب أو تشجعه .
ما ذكره “رشوان” عن قانون فرنسا صحيحًا، فقد أصدر البرلمان الفرنسي قانونا مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب ليحل محل  قانون الطوارئ، الذي تم فرضه عقب هجمات باريس التي راح ضحيتها قرابة 128 شخصًا، ويتضمن القانون بندًا بحجب مواقع إنترنت تدعو للتطرف أو تمجيد الأعمال الإرهابية أو الدعوة إليها، ويقر القانون منح الشركاتُ المزودة لخدمات الانترنت مهلة 24 ساعة لحجب المواقع التي تروج للإرهاب: “أما مستخدمو الانترنت في فرنسا الذين يزورون تلك المواقع فيتحولون مباشرة إلى جهاز خدمات الإنترنت لدى وزارة الداخلية الفرنسية وتظهر لهم على شاشاتهم رسائل تحذير” .
لكن ما لم يذكره رشوان، أن في فرنسا يصدر أمر الحجب عقب أمر صادر من المكتب المركزي لمكافحة الجريمة المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوزارة الداخلية الفرنسية، وأن ما تم حجبه كانت مواقع مرتبطة بـ”داعش”، وفي الحالة المصرية لم يكن هناك جهة “معلومة” ولا أسباب تفصيلية عن الحجب، ولا معلومات لدى مزودي الخدمة ولا لدى مديرو تلك المواقع خاصة تلك التي تعمل من مصر.
من الناحية القانونية، ينص الدستور في المادة 71 على أن “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها فى زَمن الحرب أو التعبئة العامة” ، لكن من الواضح أن المواقع الإلكترونية المصرية التي تضمنها قرار الحجب لا تحظى بحماية هذه المادة الدستورية، وفقًا لـ “رشوان”، إن تلك المواقع التي تحمل ترخيصا وفقا للقانون-الذي لم يصدر بعد- هي من تتمتع بالحصانة الدستورية ضد الحجب أو الإغلاق، لكن ليس معنى ذلك إن الحجب جاء لعدم وجود ترخيص “حالة عدم وجود ترخيص حالة عامة إذن المنع تم لسبب تاني، السبب التاني على الأرجح ومحدش مسئول قاله والقائمة الأولى توحي بده، بأن هذه المواقع قريبة من طريقة تفكير الإخوان أو الجزيرة أو المنظمات ذات الصلة بالإخوان المسلمين وبالتالي احنا هنا بنتكلم عن إغلاق له علاقة بأمر سياسي ترى الدولة أن فيه ضرر عليها عدم وجود ترخيص سهل الإجراء” ، وما يرجحه ضياء رشوان -نقيب الصحفيين السابق- بأن الحجب تم وفقًا لقانون الطوارئ المطبق في مصر منذ أبريل من العام الجاري، وبالتحديد المادة “3” التي تنص على أن “لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ بأمر كتابي أو شفوي تدابير منها: الأمر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومراقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكل وسائل التعبير والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وإغلاق أماكن طباعتها. 
لكن ما ليس معروفا حتى الآن، إذا كان القرار تم وفقا لقانون الطوارئ هل معنى هذا أن قرار الحجب للمواقع الإلكترونية التي شملتها القائمة يعتبر قرارا “مؤقتا” ينتهي بنهاية فترة الطوارئ أم يمكن أن يمتد حتى بعد انتهائها؟
إذن ما نعرفه حتى الآن، إن قرار حجب المواقع الإلكترونية صدر في ظل قانون الطوارئ، وفي المقابل لا يوجد قانون ينظم عمل المواقع الإلكترونية حتى تحصل على ترخيص قانوني يضمن لها الحماية الدستورية، حتى وإن كانت هذه المواقع تعمل وفق ترخيص “قانوني” لقانون سابق إلا أنها ليست قانونية بمقتضى الدستور الجديد، حتى يصدر لها قانون خاصا يسمى “قانون تنظيم الصحافة والإعلام” مازال في مجلس النواب يخضع للمناقشات.
الهيئة المنوط بها النظر في شكاوى المواقع المصرية المتضررة هي “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام”، التي قالت إنها تلقت بالفعل 6 شكاوى من المواقع المصرية المحجوبة، لكن رئيس المجلس مكرم محمد أحمد قال إن أن “هناك ٣ شكاوى تخص مواقع يملكها أشخاص تم التحفظ على أموالهم، من خلال لجنة التحفظ على أموال الإخوان باعتبارها جماعة إرهابية”، وهذا “أمر قضائي ولا حيلة للمجلس في هذا الأمر، ولسنا أصحاب اتهام ولم نتحفظ على أموالهم بل هم الذين ذكروا بأنفسهم” ، والشكاوى الثلاث تخص “البورصة وديلي نيوز إيجيبت والمصريون”، أمام فيما يتعلق بالمواقع المتبقية قال “مكرم” بأن سيتم تشكيل لجنة لبحث وضعها القانوني.
موقف مرصد صحفيون ضد التعذيب
في أزمة حجب المواقع الإلكترونية أُهدر أكثر من حق من حقوق الإنسان: حرية التعبير، حرية تداول المعلومات، الحق في المعرفة، وهي جميعًا حقوق محمية بموجب الدستور المصري والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان  التي وقعت عليها مصر فضلًا عن تأثير ذلك علي حالة حرية الصحافة التي تحتل فيها مصر المركز 161 من أصل 180 دولة  في آخر مؤشر لحرية الصحافة أصدرته “مراسلون بلا حدود”، ليس هذا فقط فمصر ضمن “القائمة السوداء” التي تضم 21 دولة يُعتبر فيها وضع الصحافة “خطيرًا للغاية”، وهي ليست في “ذيل” التصنيف لأسباب بعيدة عن إهدار الحقوق المشار إليها، مضاف إلى ذلك الزج بالصحفيين في السجون لأسباب لها علاقة بعملهم الصحفي، ويمكن أن نضيف إليها الآن انتهاج سياسة “الحجب والإغلاق” استنادًا إلى قانون الطوارئ، حتى بدون أن تعلن جهة عن مسؤوليتها عن القرار أو تحدد توقيت ينتهي فيه القرار أو فرصة لمراجعة القرار نفسه الذي جاء عقب تصريحات سياسية لزعيم دولة هناك توترات بينها وبين مصر منذ العام 2013 وحتى الآن.
على الرغم من إننا نقف مع التدابير التي من شأنها حماية الأرواح والممتلكات ومنع العمليات الإرهابية التي تخطف الأرواح وتهدد الاستقرار والأمن، إلا إننا نرى إن “الحجب” ليس قرارا يمكن اتخاذه منفردا لمكافحة الإرهاب بل يستلزم أن يصاحبه اعتماد عدد من التدابير التي من شأنها معالجة جذور التوتر والانقسام داخل المجتمعات، ويمكن لوسائل الإعلام أن تساند في هذا الشأن إذا تم حماية التعددية والحرص على وجود وجهات النظر المختلفة وتشجيع الحوار وتداول المعلومات من مصادرها الأصلية بعيدا عن الشائعات، وهو نفسه ما جاءت به وثيقة اليونسكو لحرية الصحافة لعام 2017، والتي طالبت بضرورة تبني تزويد مستخدمي وسائل الإعلام بالمهارات اللازمة لتصفح شبكة الإنترنت وتفسير رسائل التحريض والكراهية والتطرف، ضمن تلك التدابير المتخذة للتصدي للإرهاب في العالم. 
إن قضية حجب المواقع الإلكترونية ومصادرة الصحف ومراقبة وسائل الإعلام ليست قضية الصحفيين فقط، ولا يجب أن تُختصر في أنهم سيفقدون مصدر رزقهم بغلق مؤسساتهم أو حجبها لفترة مؤقتة أو دائمة، بل هي إهدار لحق المعرفة وحرية التعبير التي لا يجب تقييدها، وهي إنذار بالغ الحدة بأن السلطة قد بدأت في نهج عدد من السبل لسحق الأصوات التي تصدر نغمات مختلفة عن السائد، تحقيقا بحلم “قديم” بإعلام الخمسينات والستينات حيث الصوت الواحد والرأي الواحد،  مما يستدعي جهود تضامنية حكيمة من المدافعين عن حقوق الإنسان وجميع الصحفيين وليس فقط من المتضررين، لأن إجراء “الحجب” لا يعني أن هذه هي القائمة الوحيدة بل هي القائمة الأولى، مما يعني إنه لم يعد أحد بأمان، وفي الوقت نفسه يحث هذا الإجراء على ضرورة التضامن والإتحاد في مواجهة هذه القرار والقرارات التي تعقبه، باستخدام وسائل جديدة في الاحتجاج تتناسب مع القوة التي تتمتع بها السلطة الحالية والطرق التي تتبعها في قمع الأصوات المعارضة، بعيدا عن استخدام سبلا وألفاظا تجلب المزيد من العداء.
“الحجب” بشكل كامل لم يعد موجودا، فيمكن للمستخدمين اللجوء إلى وسائل عدة للتعرض للمحتوى المحجوب، كما أن المواقع المحجوبة نفسها يمكن أن تستخدم وسائل بديلة لإيصال أصواتها إلى متابعيها في الداخل والخارج، إذن لا يعد “الحجب” وسيلة ناجحة في مواجهة وسائل الإعلام التابعة للإرهابيين أنفسهم، ولذلك يجب اللجوء إلى تدابير تدعم وسائل الإعلام التي تتحرى الدقة والمسئولية في موادها، في مقابل نشر لثقافة مواجهة لخطاب الكراهية والتطرف على الإنترنت.
للاطلاع على نسخة PDF من الورقة.. اضغط هنـــا

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....