عيش حرية عدالة إجتماعية

جمهورية الكونغو الديمقراطية: “كان العنف مريعاً لدرجة أننا لم نسمع صوت الطيور تُغرد لأيّام.”

172

منظمة “أطباء بلا حدود” نشرت “

قصص وأحداث من الميدان

” بعنوان “

جمهورية الكونغو الديمقراطية: “كان العنف مريعاً لدرجة أننا لم نسمع صوت الطيور تُغرد لأيّام.”

” بتاريخ “2017-08-19T13:45:56+00:00”.

Malik Samuel/MSF

الدكتورة جوان ليو الرئيسة الدوليّة لمنظمة أطباء بلا حدود

عادت الرئيسة الدولية لمنظمة أطباء بلا حدود جوان ليو مؤخراً، من زيارة لمدينة كانانغا في مقاطعة كاساي الوسطى بجمهورية الكونغو الديمقراطية. وكتبت انطباعاتها التالية عن الأزمة المستمرة هناك.

خلال زيارتي الأخيرة لــكاساي ذهبت برفقة فرقنا إلى المنطقة الريفية التي تأثرت بشكل مباشر نتيجة العنف. حيث أحرِقت القرى والحقول وعُثر على عدد هائل من القبور هناك. وأثناء جولتنا اقترب رجل منّا قائلاً بصوت هادئ، “إنّ العنف كان مريعاً لدرجة أننا لم نسمع صوت الطيور تُغرد لأيّام.”

في لحظة وصولي انتابني شعور أن شيئاً لم يحدث هنا. وبدت المدينة التي يعيش فيها ما يقارب 750 ألف شخص كمدينة كونغولية مثالية صاخبة. فالأسواق كانت تضج بالموسيقى العالية التي كان مصدرها المحلات الصغيرة. إلا أن هذا بالتأكيد لم يكن الوضع الذي عايشه زملائي في شهر آذار مارس الماضي. حيث أن الصمت كان يخيم على المدينة في ذلك الوقت. ولم يكن هناك أي مدرسة أو محل مفتوحاً. والخوف كان يسود كل مكان. وفي النهاية أدركت أن الشعور الذي وصلني حول أن الحياة طبيعية في هذه المدينة يماثل شعور شخص يزور قبر عزيز عليه بعد سنة من وفاته ويجد العشب قد بدأ بالنمو من جديد فوق القبر. والحياة تستمر بعد هذا الفراق.

كما علقت صور أخرى في ذاكرتي بعد هذه الزيارة. فأذكر رؤية مراهقة تضحك وتركض خلف مجموعة من الأطفال في أحد ممرات المستشفى. بدت كأن شيئاً لم يحدث معها. إلا أنه قبل عدة أسابيع فقط، قطع مسلحون رأس أختها أمام عينيها، وأخذوها لمكان بعيد وأبقوها مكبلة اليدين وملقاة على الأرض لعشرة أيام، اغتصبوها خلالهن مرات عدة لدرجة أنه يصعب قول عدد المرات التي تعرضت فيها للاغتصاب. وقالوا لها، “إذا تحدثتِ حول ما حصل معك، سنقوم بقطع رأسك كما فعلنا بأختك.” هذا كله يقودك لاستنتاج واضح مفاده أن الناس في كاساي عايشوا أوقاتاً صعبة جداً، لكن ذلك أمر يصعب تخيله في ظل الواقع الحالي.

بدأت الأزمة في كاساي قبل سنة، إلا أنه يلزمنا الكثير من الوقت لإدراك حجمها. فخلال أسوء شهور الأزمة، لم تكن المساعدات الإنسانية تصل إلى هناك، وإلى الآن لا يزال وصولها محدوداً للغاية. وعند سؤالي لرجل كبير في السن عن سبب تأخر الناس بطلب المساعدة؟ أجاب، “عندما تكون ملقى على الأرض لتجنب من يُطلق النار عليك، لا تستطيع الوقوف لتركض.” بدأنا في منظمة أطباء بلا حدود العمل في كانانغا في آذار مارس وكان ذلك متأخراً بل متأخر جداً، ونحن اليوم على دراية تامة أننا نعالج الموضوع سطحياً.”

Bruno Fonseca

أحد اللاجئات التي فرت من كاساي بسبب العنف

إن الجرحى الذين تعالجهم منظمة أطباء بلا حدود يخبروننا عن حجم العنف الذي يواجهه سكان كاساي. وبسبب الخوف، انتظر بعض الجرحى لأيام وحتى لأسابيع قبل مراجعة طبيب… ومن الأمثلة على ذلك، أن أحد المصابين الذين عالجهم فريقنا الجراحي كانت يده مقطوعة. لكنه اختبأ بين الأشجار لعدة أسابيع خوفاً من أن يجده المسلحون ويقتلوه، مستعيناً بعلاج مكان القطع بأدوية تقليدية. وحتى وصوله للمستشفى، كان الالتهاب قد تطور في العظم وتشكل القيح على ساعده عند مكان القطع. وهو ما قلل فرصة تفاديه لبتر جزء أكبر من ذراعه.

وأثناء مرحلة العلاج التأهيلية وعندما تسأل فرقنا العاملة في الصحة النفسية عن ما حدَث، لا يجيب مرضانا أبداً حول من ألحق بهم ذلك الأذى، نتيجة خوفهم، إلا أنهم يروون قصصهم الخاصة والفظيعة دائماً من نوع، أن الزوج يُقطع رأسه أمام عيني زوجته، وأن الزوجة تُغتصب أمام زوجها وأطفالها المقيدين والمجبرين على المشاهدة. لكنهم يروون هذه القصص لمرة واحدة. وفي الغالب تأتي المراحل التابعة بأسئلة ثلاثة: حول كيف لهم أن يقتاتوا عيشهم، أو أن يُطعموا أسرهم أو يُعيدوا بناء بيوتهم. وسؤال آخر حول شكل المستقبل الذي ينتظرهم.

يمكن تشبيه الأزمة في كاساي بحريق غابة خلال أكثر شهور الصيف جفافاً، فشرارة واحدة انطلقت في أغسطس آب 2016 أدت لاشتعال المنطقة كاملة. وعلِق ملايين الأشخاص في فخ هجمات الميليشيا، أو قمع الجيش أو حتى النزاع المحلي الذي لا دخل له بشرارة الصراع الأكبر وإنما انفجر نتيجة الفوضى المسيطرة. وإذا ما عادت كانانغا اليوم لطبيعتها فإن دوي الأصوات المقلقة لا تزال تأتي من أماكن أخرى مجاورة في منطقة تعادل في مساحتها دولة إيطاليا. أما مصاعب الوصول بسبب الاضطرابات الأمنية فيجعل من الصعوبة في مكان التأكد من صحة الشائعات أو الحقائق. ولكن ما هو مؤكد أنّه حتى وإنْ بدا ظاهراً أنّ شيئاً لم يحدث إلا أن المأساة الإنسانية لم تُطوَ بعد.


تدير منظمة أطباء بلا حدود منفردة 70 سريراً في جناح الجراحة الحرجة في مستشفى كانانغا العام (منطقة كاساي الوسطى). وأعاد فريق المنظمة تأهيل غرفة العمليات ويوفر الرعاية الطبية المجانية لضحايا العنف والصدامات العرضية الناتجة عنه. منذ نيسان أبريل 2017 أدخل إلى المستشفى 238 مريضاً وتم تنفيذ 550 عملية جراحية، وتدير المنظمة عيادات متنقلة في الأرياف حول كانانغا وفرّت 9146 استشارة صحية مجانية.

ومنذ حزيران يونيو، تقدّم منظمة أطباء بلا حدود الدعم لــثلاثة مراكز صحية ومستشفى عام يتم تحويل المرضى إليه، في مناطق مختلفة من مدينة تشيكابا، في مقاطعة كاساي، مع التركيز على تقديم المساعدات الإنسانية للأطفال تحت سن الــخمس سنوات، والنساء الحوامل، والجرحى والأشخاص المحتاجين للرعاية الطبية الطارئة التي سبّبها العنف وآثاره. وفي تموز يوليو وسّع فريق المنظمة عمله لعدة مناطق ريفية في محيط تشيكابا.

كما وتعمل العيادات المتنقلة التابعة للمنظمة في المناطق الريفية حول ديبايا وتشيمبولو ، جنوب كاساي. ودمرت الأزمة العديد من القرى مما تسبب في نزوح السكان إلى الأحراش، وترك الناس في حالة صحية بالغة الخطورة.

 

المصدر : أطباء بلا حدود

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....