سجنك ومطرحك .. دليل القبض والتحقيق والسجون

281

في خبر جديد بثته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، تحت عنوان سجنك ومطرحك .. دليل القبض والتحقيق والسجون وذلك في تاريخ 2017-05-22T17:20:26+00:00

سجنك ومطرحك

 دليل القبض والتحقيق والسجون

إعداد : هيثم محمدين

تقديم : يسري فوده

تقديم

  1. لو كان للموتى أن يختار كل منهم بلدًا يُبعث فيه من جديد لاستكمال ما لم يدركه من أحلام، ربما يختار سيغموند فرويد أن يُبعث في مصر. لا بد أنها الآن في عينيه معمل مفتوح لإثبات فرضيات علمية لم يثبت بعضها بالدليل القاطع حين كان لا يزال على قيد الحياة، و لاكتشاف المزيد.
  2. سقط رأس النظام في مصر في فبراير 2011 بعد ثمانية عشر يومًا في ميادين التحرير. و حين سقط انكب الناس على مهمة غريبة لم تعرفها ثورة في التاريخ المسجل للبشرية: تنظيف الشوارع و الميادين. لسان حالهم: لسنا أوساخًا كما أردتم لنا أن نكون.
  3. من السهل أن ينسى الناس في غمرة أحداث كثيرة معقدة أن منتهى آمال هؤلاء الذين خرجوا في الخامس و العشرين من يناير في البداية كان رأس وزير الداخلية. فاض الكيل بالناس في السجون و المعتقلات و أقسام الشرطة و الشوارع، و حتى في بيوتهم.
  4. لماذا إذًا يندهش البعض الآن – و قد عادت شوكته بعد ثورة مضادة – من أن يكون لسان حال النظام: أردتم أن تتطهروا منا؟ خذوا إذًا مزيدًا من “الوساخة”. دافعهم إلى ذلك إدراكهم هم أكثر من غيرهم أن  أسوارًا ذهنية و نفسية لدى الناس كُسرت الآن إلى غير رجعة.
  5. -يسمونها “هيبة الدولة”، و هي في الواقع “هيبة النظام”. الدولة للناس، و النظام لنفسه. و هؤلاء الذين يعرفون البدايات يعرفون النهايات، و حين يلتفتون إلى الخلف قبل أن يعودوا بأنظارهم يدركون أننا نعيش الآن في الثلث الأخير من “دولة عبد الناصر للحريات”.
  6. من أجل هذا لن يتورعوا عن فعل أي شيئ، سواء كان هذا “كله بالقانون” أو “بالعافية” أو “بالوساخة”. و من أجل هذا لا بد من أن تقرأ هذا الدليل المبسط، و أن تستذكره جيدًا كي لا تتطوع بتسهيل الأمور عليهم. دولة القانون آتيةٌ لا ريب فيها، و ما يحدث الآن لا يسقط بالتقادم.

يسري فوده

أبريل 2017

مقدمة

أن تكون ضيفًا على أحد السجون أو أقسام الشرطة أضحى أمرًا أقرب إليك من الهواء الذي تتنفسه، وذلك في ظل شعار “العنبوكة للجميع”. نعم، تقريبًا لا توجد فئةٌ أو قطاعٌ في مصر لم تنل منه الأجهزة الأمنية؛ فلا فرق بين أن تكون مشجِّع من روابط الأولتراس فتُعتَقل لمنعك من تشجيع فريقك، أو أن تكون طالبًا فتُختطَف لمنعك من ممارسة النشاط الطلابي، أو أن تكون عاملًا يريد أن يمارس حقه الدستوري في الإضراب، فيُلقى القبض عليك، أو أن تكون ممن يهتمون بالسياسة فربما تواجه ما هو أسوأ من الاعتقال، فربما تختفي قسريًا.

ولما كانت للاعتقال رهبةٌ في نفوسنا جميعًا، فإن هذه الرهبة تكون كبيرة خاصةً عند من لم يُلقى القبض عليهم من قبل.

نعم، فمن منا يعرف مصيره بعد القبض؛ مليون سؤال ومليون حيرة تدور داخل رأس أيٍ منا عندما يتعرض لمثل هذا الموقف. “هي الشرطة هتعمل فيا ايه؟ هيضربوني ؟ اتصرف إزاي؟ أرد أقول ايه؟ إزاي احمي نفسي؟ إزاي أقول كلام ما يوَّرطنيش؟ هشوف ايه لما يتقبض عليه؟ هعمل ايه في الحجز، وهتعامل مع اللي جوه إزاي؟ طيب، هو انا ليا حقوق، طيب هي ايه؟”.

نعم، أسئلةٌ كثيرة تتزايد لأننا بالفعل نعيش فترةً تتزايد فيها الانتهاكات بشكل مخيف. فلا قانون يُحتَرَم حتى لو كان هو نفسه قمعيًا. نحن في فترةٍ يُجرَّد فيها المواطن من كافة حقوقه، حتى الدستورية والقانونية منها. ونحن لا ندَّعي أبدًا بكتابةِ هذه الأسطر أن ما سنطرحه سيشكِّل حمايةً لك حال تعرضك للقبض، لكننا نأمل أن تساعدك هذه الورقة في التخفيف من وطأةِ الانتهاكات عليك، ذلك أن هذه الأسطر تحاول أن تنقل لك بعضًا من خبرات المعتقلين في مواجهة ظروف السجن والاحتجاز. ننقل لك بعضًا من حقوقك القانونية والدستورية، وذلك لأن معرفتك بها يساعدك – ولو قليلًا – في تفادي أن يورطك أفراد الشرطة فيما لا يدَ لك فيه. كما أننا في هذه الورقة نحاول أن نرسم لك خطَ سيرٍ مُحتَمَلًا في حالِ تعرضك للاعتقال، ونقول مُحتَمَلًا لأن لا أحد فينا يضمن إلى أي اتجاه سيذهبون به.

فربما تكون سعيد الحظ ويكون قسم الشرطة محطتك الأولى والأخيرة، فتخرج دون أن يُحرَّر لك محضرٌ. وربما تكون سيء الحظ مثل عشرات الآلاف من المظاليم فيُحرَّر لك محضرٌ وتكون محطتك الثانية النيابة التي قد تخلي سبيلك أو تقرر حبسك. وربما تكون واحدًا ممن لا تفيدهم هذه الأسطر على الإطلاق وتكون ضمن المختفين قسريًا!

على أيةِ حال، ما كان لنا أن نستطيع كتابة هذه الورقة لولا شهادات المعتقلين الذين نقلوا لنا ما شاهدوه منذ لحظة الاعتقال وحتى تنفسوا هواء الحرية “على الأسفلت”. نحاول أن نتلمَّس خطوات هذا الطريق المظلم الموحش، ونحن نعلم أنه ليس هناك طريقٌ واحدٌ يمكن أن يسلكه أيٌ منا وهو في قبضة الأمن، فلكل حالة ظروفها، لأننا نتعامل مع أجهزة أمن وجهات تحقيق لا يمكن أن نرسم خطواتها وفقًا لقانون، ولا يمكن أن نتوقَّع تصرفاتها في ظل كل هذه التجاوزات والانتهاكات. لكننا نأمل أن نرسم لك بعض الخطوط العريضة والأساسية التي قد تساعدك حال اعتقالك.
 

القسم الأول: مشوارك إلى السجن ، خطوة بخطوة

أولا : الاستيقاف  “التحري”

الاستيقاف في لغة القانون هو إجراء يقوم به رجل السلطة العامة للتحري عن الجرائم وكشف مرتكبيها ، يسوغ هذا الإجراء حالة الضرورة .. ولابد أن يضع الشخص نفسه موضع الشك و الريبة لدى رجل الامن أي أن يضع الشخص نفسه موضع ” اشتباه ” وهذا الإجراء لا يصل لدرجة القبض. وهو ما يعرفه الناس باسم “التحري” وهي كلمة صحيحة بشكل كبير.

” بطاقتك “ .. كلمة وأمر قد تسمعه في اي لحظة وأنت تسير في شوارع المحروسة !! ” كلمة ” قد تتحول حياتك بعدها إلى جحيم .. أسباب جديدة تجعلك في موضع الاشتباه .. أشياء جديدة أصبحت تشكل جرائم غير التي نعرفها وغير واردة في أي قانون .. أن ترتدي تيشرت النادي الأهلي او الزمالك .. أن تتزين بشال فلسطين .. أن ترتدي تيشرت أو ملابس توحي بانتمائك لثورة يناير ، أن تحمل كاميرا .. أن تسير بصحبة أجنبي أو أجنبية ،، فأنت بذلك مشتبه به عند رجال الأمن إلى أن يثبت العكس.

وتهمتك هي “مشاغب من بتوع الألتراس” .. “عيل من بتوع السياسة” .. أن تحمل كتبًا وروايات فأنت تضع نفسك موضع الشك والريبة .. القراءة وحيازة الكتب أضحت جريمة .. إياك أن تكون صدقت أن القراءة للجميع .. أن تطلق لحيتك سواء كانت التزامًا دينيًا أو “روشنة” فتلك أم الجرائم .. مظهرك وشكل ملابسك ليس من الحريات الشخصية .. تحلق “ميري” وتلبس ما يعجب الأمن حتى تكون في مأمن .. أن تحمل كاميرا فاعلم  أنك ستخضع لتحقيق سريع: أنت مين وبتشتغل ايه ورايح فين وجاي منين وشايل كاميرا ليه و مصور بيها ايه .. المصيبة الاكبر أن يتم استيقافك وانت تقوم بالتصوير ساعتها لن يكون تحقيقا سريعًا ولن يكون مجرد استيقاف .. قد يلقى القبض عليك وتصبح بين ليلة وضحاها متهمًا، حتى لو كنت بتصور اسد كوبري قصر النيل .

عليك أن تتوقع الاستيقاف في كل مكان .. محطات المترو والقطارات ومواقف الاتوبيس والميكروباص .. في الكمائن واللجان الأمنية على الطرق .. في الشوارع والميادين العامة  ، وطبعا بلاش تقعد على قهوة في وسط البلد.. عليك أن تحذر السير بعد الساعة ١٢ في ليل الشتاء وبعد الساعة ١ في ليل الصيف .

في حين أن ” الاستيقاف قانونا لا يعدو أن يكون مجرد إيقاف انسان وضع نفسه موضع الريبة في سبيل التعرف على شخصيته ، وهو مشروط بألا تتضمن إجراءاته تعرضًا ماديًا للمتحرى عنه يمكن أن يكون فيه مساس بحريته الشخصية أو اعتداء عليها “

(مجموعة احكام النقض س ٣٠  ق ٨ ص ٥٤ _ ١١/١/١٩٧٩)

وبناء عليه .. فإن الاستيقاف إجراء لا يمكن اتخاذه دون توافر شرطه ، وهو أن يضع الشخص نفسه طواعية واختيارا في موضع شبهة او ريبة ظاهرة .. وليس من حق الشرطة أن تتعرض للشخص الذي تم إيقافه ماديا بمعنى لا يجوز لها احتجازه او القبض عليه .

إلا أن الواقع المفروض علينا غير ذلك .. واقع يغلل عليه انتهاك الشرطة للقانون ، ذلك أن الاستيقاف القانوني لا يستلزم سوى دقائق معدودة للتحقق من شخصية المشتبه به .. أما توقيف الناس لوقت طويل او وضعهم في مكان مقفول سواء كانت سيارة أو كشك او غرفة فإنه يعتبر احتجازًا دون وجه حق .. كمان أن تفتيش الناس وتفتيش حقائبهم بعد هذا الاستيقاف يعد مخالفا للقانون .

ثانيا : القبض والاحتجاز

نحاول هنا رسم خط سيرك منذ لحظة القبض عليك وحتى خروجك “على الأسفلت”. هي مجرد خطوط عريضة نعتمد في رسمها على ماهو شائع من خطوات أو ماهو مفترض وفقًا للقانون. وفي البداية، نود أن نوضح أن هناك حالتين للقبض أو الاحتجاز هما:-

1- القبض عليك مع وجود أمر ضبط وإحضار صادر من المحكمة

2- القبض عليك بدون إذن نيابة

  • القبض بناءً على أمر ضبطٍ وإحضارٍ صادرٍ من النيابة أو المحكمة 

في الحالة دي، ممكن يتقبض عليك من الشارع أو البيت، وعادةً يصدر هذا القرار ضدك بناءً على محضر تحريات من المباحث أو من الأمن الوطني تم تقديمه للنيابة وأخدوا عليه إذنًا بالقبض عليك، وممكن يكون بناءً على بلاغ اتقدم ضدك من شخص أو من موظف عام.

وأمر الضبط والإحضار ممكن يكون كمان من ضمنه أمر بتفتيش البيت.

الأمر ده بيصدر من النيابة، وبتتحدد فيه التهمة والجهة اللي بتنفذه واسم المواطن وعنوانه تفصيلًا، وبتتحدد لمأمور الضبط القضائي اللي هو ظابط المباحث أو ظابط الأمن الوطني مدة محددة ينفذ فيها الإذن، ممكن تبقى ٢٤ ساعة أو ٤٨ أو غيره، ولو ما نفذش لازم ياخد إذن جديد.

مادة [41] من قانون الإجراءات الجنائية

“لا يجوز حبس أي إنسان إلا فى السجون المخصصة لذلك ولا يجوز لمأمور أي سجن قبول أي إنسان فيه إلا بمقتضى أمر موقع عليه من السلطة المختصة، ولا يبقيه بعد المدة المحددة بهذا الأمر”.

س: طيب اعمل ايه لو قوة الشرطة جت تقبض عليا في البيت أو في الشارع؟

ج : من حقي أسأل الظابط عن الإذن ده بصيغة “سيادتك معاك إذن نيابة؟”، ومن حقك كمان تطلع على الإذن، ولو فيه تفتيش تسمح له يدخل يفتش. من حقك تقف على إيد الظابط وهو بيفتش عشان تعرف هو لقى ايه أو حتى حطلك إيه من معاه. وفي حالة المرأة مش من حق الظابط يفتشك لازم يبقى معاه عنصر من الشرطة النسائية هو اللي يفتشك.

أحيانا تنفذ الشرطة إذن القبض والتفتيش بطريقة تثير الرعب والخوف في نفوس المطلوب ضبطه وأسرته، ابتداءً من الخبط على الباب أو تكسيره، إلى دخول قوات كبيرة من أفراد الأمن المُلَثمين المسلحين وأفراد بزيٍ مدني، ولا يخلو الأمر من أوامرٍ بصوت مرتفع مصحوبةً بإهانات. قد لا تساعدك هذه الحالة أو قد لا يعطونك فرصة لطلب أي شئ. لكن حاول أن تحتفظ بأكبر قدرٍ من الهدوء، حتى تتمكن من التركيز في وجوه القوة وتحفظ ملامح الضباط. فهذا أمرٌ مهمٌ للغاية لأنه في حالة تعرضك لأي اعتداءات أو تعذيب تستطيع وصف هؤلاء الضباط في تحقيقات النيابة وإثبات ذلك في شهادتك فيما بعد. ومن المهم أيضًا أن تعلم أن جريمة التعذيب لا تسقط بالتقادم، وأننا ينبغي أن نحفظ تفاصيلها وملامح مرتكبيها وأسماءهم من الضباط إن أمكن، حتى يحين الوقت الذي يُحاكمون فيه على تلك الجرائم.

في حالة عدم إظهار الضابط لإذن النيابة أو في حالة عدم وجود إذن، من المهم أن يرسل أفراد الأسرة تلغرافات بما حدث لكلٍ من النائب العام، ومقره دار القضاء العالي، وزارة الداخلية، ومقرها التجمع الخامس بالقاهرة ، ويمكن ايضا تبعت لمديرالأمن في مديرية الأمن بكل محافظة ، والمحامي العام، ومقره المحكمة الابتدائية التي جرى الاعتقال في دائرتها؛ “يعني لو المُعتَقل من حلوان يرسل إلى المحامي العام لنيابات جنوب القاهرة بمحكمة جنوب القاهرة بزينهم”.

وتُرسَل التلغرافات عن طريق السنترال أو بالاتصال من تليفون أرضي على رقم ١٢٤، وتحصل من الموظف المختص على أرقام التلغرافات حتى نستطيع استخراج صورٍ رسمية منها واستخدامها في الدفاع عنك إذا عُرِضت على النيابة بعد ٢٤ ساعة، وهو الميعاد القانوني، أو إذا أُخفيت قسرًا.

في كل الأحوال، نحن في حاجةٍ لإثبات أنك في قبضة الأمن في ساعته وتاريخه.

صيغة التلغراف:

السيد المستشار النائب العام

السيد وزير الداخلية

قامت قوات من أفراد الشرطة بزي مدني/عسكري باقتحام منزلنا واعتقال ……………………………..(( اسم اللي اتقبض عليه )) دون أن تبلغنا بأي اتهامات ولا الجهة التي يتبعونها، وقد حدث ذلك في تمام الساعة ( …. ) وذلك في تاريخ ../../…. ، منالعنوان (( ………………….. ))

الراسل

(اسم أحد أفراد الأسرة)

ويفضل أن يكون التلغراف مسجلًا بعلم الوصول ” حتى تعرف ماذا حدث له. وهو مش موضوع غالي او مكلف ، لكنه مفيد جدا.

  • في حالة القبض بدون إذن نيابة (من الشارع أو البيت أو العمل)

وفي هذه الحالة قد تُعتَقَل لسببين مختلفين:

أول سبب:  إنهم يقبضوا عليك “مُتلبِّس بالجريمة”. يعني مثلًا تتخطف من مظاهرة أو من على معرض داخل الجامعة أو من داخل إضراب، لو أنت عامل، أو مدرجات الاستاد وأنت بتشجع، أو وأنت مشارك في اعتصام، وهكذا. أول حاجة لازم تكون عارفها أن اللي أنت كنت بتعمله ده مش جريمة؛ ده حقك، بس ده مش معناه إنك تعترف إنك كنت بتعملها.. ليه؟!

عشان ممكن يتلفق لك حاجات تانية انت ماعملتهاش وبيربوطها باللي أنت كنت بتعمله زي مثلًا: إنك تكون في مظاهرة فيتهموك إنك كسَّرت وخرَّبت وضَرَبت القوات، وبما إنك معترف إنك كنت في المظاهرة فتلبس باقي الاتهامات. أو لو أنت طالب واتقبض عليك من معرض طلابي، بيتهموك بالانتماء لجماعة كذا وحركة كذا.

في الفعاليات غالبًا اللي هيقبض عليك هما أمناء الشرطة والمخبرين، حاول ما دام اتمسكت خلاص وبقيت وسطيهم إنك ماتعافِرش عشان ما تنضربش أكتر. لو في جيبك أي حاجة هتتاخد ضدك ترميها في الشارع أو وأنت في الترحيلات أو البوكس.

بص يا سيدي، بيقولوا “الجري نص الجدعنة” في المواقف اللي زي دي. يعني ايه؟ لما تلاقي نفسك هتتمسك اجري، ولو شوفت حد بيتمسك وانت مش هتقدر تعمله حاجة، ما ترجعش، لأنك مش هتكسب حاجة لما تزود عدد المقبوض عليهم واحد.

بعد القبض، في الأغلب بتروح قسم الشرطة اللي تبع المنطقة اللي اتقبض عليك فيها، وهتقعد إما في الاستيفا وده عند أمناء الشرطة اللي بيعملوا المحاضر في كل قسم في الدور الأرضي، أو هتطلع “التلاجة” أو حجز المباحث.

تاني سبب: إنه ممكن يتقبض عليك ضمن عمليات القبض العشوائي، وعادةً ما يكون هذا النوع من الاعتقالات بعد أو قبل عمل احتجاجي حد ” جهة أو أشخاص” هيقوم بيه ، أو حملة اعتقالات تقوم بها الشرطة في منطقة محددة قريبة من مكان له رمزية، زي ميدان التحرير.

تعمل ايه بقى في الحالات اللي زي دي؟ أول حاجة، لو انت هتشارك في مظاهرة أو عمل احتجاجي، تكون عامل خروج من صفحة فيسبوك الخاصة بك. ومظبَّط تليفونك على رسالة طوارئ لأي صديق “أنا اتقبض عليا”.

طيب هو انت ليك حقوق هنا؟

آه ليك حقوق لازم تعرفها حتى لو الشرطة داست عليها. إنك تبقى عارف إن اللي بيعملوه معاك غلط ومخالف للقانون ده بيخليك هادي شوية، وأحيانًا لو الظابط حسّ إنك فاهم حقوقك، ممكن ده يخفِّف عنك وممكن لأ بس الافضل تكون عارف حقك.

– حقك إنك تعرف تهمتك.

– حقك تتصل بمحامي وبأهلك.

– حقك إن محدش يمد إيده عليك.

– حقك إن محدش يجبرك تمضي على حاجة أو تتصور مع حاجة أو تقول حاجة.

جاء نص قانون الإجراءات الجنائية كالتالي:

مادة [40] (2)

لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانونًا، كما تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا.

حجز المباحث أو “الثلاجة”

بعد القبض عليك هيروحوا بيك قسم الشرطة، وهيطلعوك حجز المباحث “تتسقَّع” شوية لما يشوفوا هيعملوا معاك ايه في الإجراءات.

“الثلاجة” أو حجز المباحث عادةً هي غرفة ضيقة في الدور التاني في كل قسم شرطة ” وممكن تكون في مكان منعزل في القسم” . وغالبًا مبيكونش فيها فرش ولا شبابيك حاجة كده معزولة عن العالم.

وممكن تقضي فيها ساعات لوحدك أو مع آخرين. في الغرفة دي لو قابلت حد جوه وبعد ما تطمن إنه مش مخبر لو عرفت منه نوع قضيته وأنه ممكن يخرج قبلك، إديله رقم تليفون حد من أهلك يبلغهم بوجودك في القسم إذا كانوا مش عارفين أنت فين. أما لو كنت لوحدك ولقيت الوقت هيطوِّل، حُط حاجة من اللي أنت لابسها تحت راسك ونام. ماتحاولش تفكر في اللي هيعملوه معاك، ولا هينادوا عليك امتى، لأن الوقت مابيمشيش في الأوضة دي. انت بس تهدي نفسك. حتى لو هتغمض عنيك وتغني في سرك.

ماهي الإجراءات التي تتخذها الشرطة في هذه الساعات؟

في الوقت ده بيتحرَّر محضر اسمه محضر الضبط، بيتكتب فيه التهمة بتاعتك وقبضوا عليك فين وازاي، ولو فيه حاجة لقوها معاك بتتحرَّز. وطبعًا كله حسب التعليمات؛ يعني ممكن مايتعملكش محضر أساسًا بناءٍ على تعليمات الأمن الوطني أو العكس. المحضر بعد كده بيتعرض على رئيس المباحث لو مش هو اللي عامله، وعلى بالليل عادةً ممكن يخرَّجوك ويسألوك في المباحث، فلو أنت تحت ضغط كبير اضطريت تتكلم من الخوف على الأقل ما تمضيش على حاجة ودايمًا اطلب الاتصال بمحامي يجيلك، لأنه من حقك، ومش من حق المباحث تستجوبك س وج. بعد كده هتنزل حجز القسم.

حجز القسم 

بص يا سيدي؛ هو الحجز ده بيكون في الدور الأرضي، ويتبع المأمور، يعني أنت الآن حياتك وسلامتك وظروف حجزك مسؤول عنها مأمور القسم أمام النيابة، ومن حقك تطلب تقابل المأمور، ومن حق أهلك ومحاميك يقدموا أي شكوى خاصة بظروف حجزك، وكل تعاملاتك بتكون مع ظباط نظامي مش مباحث، إلا فيما عدى تفتيش الحجز بتعمله المباحث وفي حضور الظابط النظامي. بعد دخولك الحجز ده معناه إنك نازل نيابة تاني يوم الصبح.

مادة [43] (2)

لكل مسجون الحق فى أن يقدم فى أي وقت لمأمور السجن شكوى كتابية أو شفاهية، ويطلب منه تبليغها للنيابة العامة وعلى المأمور قبولها وتبليغها فى الحال بعد إثباتها فى سجل يعد لذلك فى السجن.

ولكل من علم بوجود محبوس بصفة غير قانونية، أو فى محل غير مخصص للحبس أن يخطر أحد أعضاء النيابة العامة – وعليه بمجرد علمه أن ينتقل فورًا إلى المحل الموجود به المحبوس وأن يقوم بإجراء التحقيق وأن بأمر بالإفراج عن المحبوس بصفة غير قانونية وعليه أن يحرر محضرًا بذلك.

طيب شكله ايه بقى الحجز ده؟

هو أوضة – مفروض – بيدخلها اللي واخد إخلاء سبيل ومروح، أو اللي لسه مقبوض عليه ونازل النيابة. بس احيانا ونتيجة للزحام في السجون ، بيكون فيها ناس ليها فترة ، سواء حبس احتياطي ، واوقات كتير بكون من الناس القديمة، واحد أو اكتر المأمور حاطتهم للسيطرة على الحجز.

الأوضة دي دايمًا زحمة ومتكدسة ومش مريحة، لأنها زي ما قولنا مش مكان دايم، دي مؤقتة. الأوضة دي ممكن تفضل فيها واقف طول الليل وممكن المكان يسمحلك بس بالقعدة مقرفص. والفرصة الوحيدة اللي ممكن حد جواها يريح شوية هي توقيت عرض المتهمين على النيابة؛ اللي نازلين نيابة يخرجوا من ٨ صباحًا ومكانهم بيفضى لحد ما يرجعوا.

لما تدخل حجز القسم هتلاقي واحد قديم ماسك الحجز أو النبطشي، وده تخلي كلامك معاه، ولو عايز تتكلم في التليفون اطلب منه، وتخلي كلامك قليل في الحجز لأن بيكون فيه مرشد، فبلاش تتكلم في السياسة ولا تقول معلومات عن نفسك. في حجز القسم مسموح ليك بالزيارة، طيب تطلب ايه؟ 

سيبك خالص من اللي أهلك أو أصدقائك نفسهم يجيبهولك من أكل، لأن أولًا نفسك هتكون مسدودة بس لازم تاكل، والأكل اللي ينفعك في الحجز هو الجبنة والحلاوة ومية معدنية وعيش. هتحتاج غيارات عشان هتكون عفِّنت، وهتحتاج فوطة وسجاير حتى لو مش بتدخن لأن السجاير هي فلوس الحجز والسجن هتمشي بيها نفسك.

في الحجز، اسمع حكاوي اللي معاك وشوف حركتهم، هتلاقي ناس بتتحرك في الأوضة الضيقة دي كأنها بيتهم وكأنهم اتعودوا عليها. وده بس عشان نفسيتك ما تتعبش أكتر.

الحجز ده بابه “افتح، اقفل”، وناس داخلة وناس خارجة، وتمامات كل شوية، ودايمًا معبَّأ دخان سجاير. لو زهقت أو تعبت، استعبط وقول للنبطشي صدري تعبان عايز اقف جنب “النضارة”، ودي الفتحة اللي في الباب عشان تشملك شوية هوا نضاف.

وفي كل الاحوال :

لا توقع على أي ورقة في القسم

لا توقع على أي ورقة في القسم

لا توقع على أي ورقة في القسم

واذا وقعت تحت الضغط أو الخوف من الضرب أو الضرب فعلا ، فقول ده للنيابة في أول تحقيق أو لحظة تشوف فيها وكيل او رئيس نيابة.

ثالثا :  التحقيق والنيابة

تاني يوم هتنزل نيابة.

سير التحقيق (التحقيق بيمشي إزاي؟)

أول أمر يفرضه القانون على وكيل النيابة أنه يسألك إذا كان معاك محامي يدافع عنك، ومن حقك أن تطلب الاتصال بمحامي للحضور معك، ومن حقك طلب تأجيل التحقيق لحين حضوره.

ثانيًا، يجب على النيابة إنها تبلغك بالاتهامات المنسوبة إليك وعقوبتها ايه. وبعد ما ترد بالإنكار أو بالاعتراف يبدأ يسألك تفصيلًا فيها وفي ظروف القبض عليك.

وهنا لازم تاخد بالك من الآتي:

فيه عدد من وكلاء النيابة ممكن يدخلك الغرفة قبل المحامي بتاعك ما يحضر، أو قبل ما يُسمَح له أنه يحضر ويقولك أنا مش بحقق معاك، تعالى ندردش شوية، ويبدأ يسمعك انت اتقبض عليك ليه وإزاي كأنه صاحبك. كل اللي هتقوله هيزنقك بيه في التحقيق، ولازم تكون عارف إن الدردشة دي مش قانونية، والأفضل إنك تطلب التحقيق معاك رسميًا، وفي حضور المحامي بتاعك، أو تعمل نفسك مش فاهم بحيث تخلي وكيل النيابة نفسه يزهق فيبدأ التحقيق الرسمي.

طيب انت إيه حقوقك أمام النيابة؟

– أولًا، من حقك إنك تُبلَّغ بكل الاتهامات المسندة إليك وعقوبتها والجهة التي تجري معك التحقيق.

– ثانيًا، أن يحضر معك محاميك كافة إجراءات التحقيق.

– ثالثًا، أن تثبت ما تشاء من طلبات أو دفاع في محضر الجلسة (المحضر ده بتاعك زي ما هو بتاع النيابة، والقانون بيلزم النيابة إنها تثبت أي حاجة انت عايز تثبتها أنت أو محاميك).

– رابعًا، من حقك تلتزم الصمت في التحقيق ولا تجيب على أي سؤال، كما تستطيع أن ترفض الإجابة على أسئلة محددة إذا قررت الإجابة والاستمرار في التحقيق. فإذا لم تفهم أي سؤال أو شعرت أن وكيل النيابة “غير محايد “، أو يريد توريطك فأجب عليه بصيغة: “أرفض الإجابة على هذا السؤال”، وليس من حق النيابة أن تعقب على ردك.

في صدر المحضر، أي في بدايته، يثبت وكيل النيابة حضورك واسمك وسنك وعنوانك ومهنتك واذا كان معاك محامي ولا لأ أو معاك شهود نفي ولا لأ. وبعدين بيعمل حاجة اسمها “المناظرة”، يناظر شكلك وملابسك ويثبتها في أول المحضر، على سبيل المثال: “فوجدنا المتهم خارج غرفة التحقيق، فدعوناه لداخلها، وبمناظرته ألفيناه شابًا متوسط الطول والبنية أسمر اللون وشعره أسود قصير، ذا شارب ولحية طويلة، وهو في العقد الثالث من العمر، ويرتدي الملابس الأفرنجية؛ بنطال جينز أزرق اللون وتيشرت أبيض وينتعل كوتشي أسود، وبمناظرة الأجزاء الظاهرة من جسده لم نلحظ ثمة إصابات أو جروح، وبسؤاله عما إذا كانت هناك إصابات في عموم جسده وسببها ومحدثها والأداة المستخدمة في إحداثها فأجاب “نفي أو تأكيد”.

في الوقت اللي هيسألك عن الكلام ده، تقول على أي إصابات فيك أو أي اعتداء وقع عليك، وتتهم اللي اعتدى عليك، وتطلب سؤالك كمجني عليه، وتطلب عرضك على الطب الشرعي، وتثبت لما يسألك في نهاية المحضر كمجني عليه كل تفاصيل الاعتداء أو التعذيب.

مادة [139] (1) من قانون الاجراءات

يبلغ فورًا كل من يُقبض عليه أو يُحبس احتياطيًا بأسباب القبض عليه أو حبسه، ويكون له حق الاتصال بمن يري إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام، ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه.

ولا يجوز تنفيذ أوامر الضبط والإحضار وأوامر الحبس بعد مضي ستة أشهر من تاريخ صدورها، ما لم يعتمدها قاضي التحقيق لمدة أخرى.

بعد ذلك يصدر قرار النيابة إما بإخلاء سبيلك أو بحبسك على ذمة التحقيق، وفي جميع الأحوال تعود إلى قسم الشرطة مرة أخرى. فإذا كان القرار إخلاء سبيل، فإنك تعود إلى غرفة الحجز لانتظار إنهاء إجراءات صحة الإفراج والكشف عما إذا كنت متهمًا في قضايا أخرى. عادةً ما يتأخر خروجك “على الأسفلت” بسبب تعليمات الأمن الوطني المخالِفة للقانون، والتي تهدف إلى تكديرك عدة أيام قبل أن تُعرَض على تحقيق ضابط الأمن الوطني ثم المباحث لتخرج بعدها.

رابعا : الحبس

أما إذا كان قرار النيابة هو حبسك، فإنك تعود إلى إحدى غرف “السجن” داخل القسم. وهي غرفة ضيقة ومتكدسة بعدد كبير من المسجونين، لكنها أفضل حالًا من الحجز، لأنها أولًا مُرتَّبة للإقامة الطويلة، وبالتالي لكل سجينٍ مساحةٌ معروفة للنوم ومكان محدد لتعليق شنطته “العصفورة”. هي كمان أنضف لأن النزلاء فيها بينضفوها عشان قاعدين فيها من فترة. كمان الغرفة دي منظمة شوية لأن بعد فترة اللي جواها بيكونوا عرفوا بعض، وده عكس “الحجز” كل حاجة فيه متغيرة أو مؤقتة؛ النزلاء، وفترة الاحتجاز فيه قصيرة، ومفيش مكان محدد ليك، ولا الغرفة منظمة ولا نضيفة. حاجة كده زي الأوض اللي في بطن السفن زمان وكانوا بيحشروا فيها العبيد وهما خاطفينهم.

طبعًا سجن القسم في الأغلب غير مُصنَّف (جنائي/ سياسي)، غير الوضع في السجون العمومية والمركزية.

أشياء لا غنى عنها في السجن:

– أنت تساوي سجائرك، امتلك السجائر حتى یطیعك الشاویش والمخبر والعساكر، بعلبة سجائر یمكنك أن تدخل رادیو أو mp3، أو جرنال أو كتاب أو حتى أدویة، بعلبة سجائر تنتقل من زنزانة لأخرى، ویُفتَح لك التریُّض. السجائر تفعل ما لا تتخیله في السجن.

– صاحِب السجناء الجنائیین، وسیدلونك على أشیاءٍ لم تعلمها من قبل، أين تخبئ كتاباتك، كيف تُهرِّب رسائلك؟ لكن احذر.. بينهم من يرشدون عنك..

تعالوا نحاول نرسم الصورة عن السجن

في السجون المركزية الغرفة الواحدة بتتسمى عنبر، وفي السجون العمومية المبنى اللي فيه أكتر من أوضة بيتسمى عنبر. وعادةً ما يُطلق لفظ زنزانة على الغرفة الانفرادي أو الغرف الضيقة قوي.

خلينا نستخدم كلمة عنبر واحنا بنتكلم عن غرفة الاحتجاز.

أول حاجة، العنبر دايمًا له رقم جنب الباب. بتدخل أول حاجة في وشك في مواجهتك بتكون الحمام. ركِّز بقى معايا في الاتجاهات: الحيطة ماسكة من الباب وداخلة لجوه العنبر دي اسمها “الصف”، ودي بتبدأ فيها أول فرشة من جنب الباب لحد الزاوية اللي جوه، والزاوية دي اسمها “المصلب”.

الحيطة اللي بتبدأ من جنب حيطة الحمام وماشية لجوه ناحية الزاوية التانية للعنبر اسمها “الجنب”، ودي الحيطة اللي بين مصلب الحمام والمصلب الجواني.

الحيطة اللي بين المصلبين اللي جوه اسمها “المراية”.

المساحة اللي في منتصف العنبر بتتسمى “الطرقة”.

انت بقى لو مستجد بتبدأ منين وايه الترتيب ده وايه الفرق بينهم والمزايا ايه؟

المستجد بيفرش نمرته لأول مرة لو العنبر مليان من عند الحمام. ومع الوقت، يعني سجين اترحل أو أخد إخلاء سبيل أو اتنقل لعنبر تاني، بتتنقل بفرشتك نمرة نمرة لحد ما تدخل الطرقة لحد ما تكون اقدم واحد فيها. بعد كده انت أول واحد بينقل فرشته للصف جنب الباب وتبدأ من هناك رحلة “الوصول إلى المصلب”.

طيب عشان ما تتوهش ايه يعني أفضل أماكن في العنبر.. بص يا سيدي وبصي يا ستي:

أفضل الأماكن هي الـ٣ مصالب والمراية. في المصلب انت بتنام في الزاوية اللي في آخر العنبر، يعني ماحدش هيخطي فوقيك لأن الحركة بتكون في الاتجاه المعاكس ناحية الحمام أو الباب، يعني مفيش حد رايح الحمام هيدوس في بطنك ولا حد نازل زيارة هيخبطك بشنطته وهو معدي.

تاني حاجة، أنت دايمًا ليك جار واحد في المصلب، لأن فيه ناحية فيها الحيطة، وكمان فرشة المصلب ليها قبضة زيادة “في مقاسات الفرش”، فمعاك ١٠ سم زيادة تبرطع فيهم براحتك وتلم ركبك وهو أمر لو تعلمون عظيم!

في المصلب ليك مساحة على حائطين، وبالتالي المكان اللي هتعلق فيه حاجتك أوسع.

في المصالب هتلاقي أقدم ناس في العنبر دول بقى اللي قعدوا مدة طويلة زحفوا فيها من عند دورة المياة لحد العرش المسمى المصلب. المراية ميزتها زي المصلب في نقطة إن ماحدش هيخطي عليك لأنها برضو عكس اتجاه الباب والحمام.

فرشتك جوه اسمها النمرة، ودي مساحتها بتختلف من حجوزات الأقسام عن السجون المركزية عن السجون العمومية. في القسم بتكون شبر وقبضة، وفي السجون المركزية ممكن توصل لأربعين سم لو الدنيا فاضية، وبترجع شبر وقبضة لما الأمور تزنق، وطبعًا انت عارف الخير كتير والسجون دايمًا مليانة، فاعمل حسابك على شبر وقبضة من الأول أحسنلك.

في السجن العمومي، المساحة بتكون أحسن كتير وبتوصل لخمسين سم و٨٠ كمان. وممكن أوسع.

فوق كل نمرة بيكونلك حبل مربوط فيه ورقة كرتون أو ولاعة بايظة بتعلق فيها شنطتك ودي اسمها العصفورة.

هتتعلم جوة إزاي تطبق البطانية عشان تبقى أد مساحتك وما تكلكعش وتبقى حنينة تحتك، وهتتعلم إزاي “تكتف” الملاية في النمرة عشان مش كل شوية تشيل وتحط.

كل عنبر وله نبطشي، أو يعني الشخص المسؤول عن العنبر في الكلام مع إدارة السجن ومسؤول عن تنظيم المعيشة جوه العنبر. في العنابر الجنائي أو السياسي، المفروض أنه بيكون أقدم واحد في العنبر، لكن أحيانًا عنابر السياسي بتجيبه بالانتخاب.

الحمام قاعدة بلدي وكوز وجردل والباب ستارة قماش وأحيانا من غير ولا حاجة.

بعض العنابر السياسية اللي بتنتخب النبطشي بيكون فيها مسؤولين تانيين، إما بيعينهم النبطشي أو بيتم انتخابهم، زي:

– مسؤول فرش

– مسؤول مطبخ

– مسؤول نضارة

– مسؤول حمام

وطبعًا واضح من الأسماء كل واحد وظيفته ايه؛ تنظيم استخدام الحاجات دي من السجناء كل واحد حسب دوره.

حياة الزنازين

في السجن كل شيء يتغيَّر؛ البشر والحجر يصبح مجرد رقم، والأشياء تسمى بأسماء جديدة، تقوم بوظائف ليست هي وظيفتها. الحبل والولاعة يشكلان دولابك الصغير. الحائط يمكن أن يكون وثيقةً أو نشرةً أو جريدة تحفظ الذكريات الحلوة والمرة وتسجِّل التواريخ والأحداث، تنقل الأخبار والرسائل. الحائط نفسه يصبح أنواعًا، ولكل نوعٍ أهميته التي تفرق في حياة البشر وراحتهم. كما أن للحائط في السجن أسماءً عديدة، وكل اسمٍ لها دالٌ على وظيفة ومكانة. البطانية المطوية أيضًا لها في السجن أهمية ووظائف كثيرة غير التي يعرفها البشر؛ البطانية في السجن هي بيتك الصغير، بيتك المفتوح دائمًا على بيوت الجيران الصغيرة والمتلاصقة، تستقبل عليها ضيوفك، عليها تأكل وتشرب وتنام، هي الحلم والكابوس، تلازمك أينما تحركت أو رحلت، تتغير قدرتها على أن تريحك بتغير موقعها بين بطاطين الجيران، فإذا كنت مستجدًا ستبدأ دورة الحياة في العالم الجديد من أمام دورة المياة، وبدلًا من أن تكون البطانية هي فراشك تصبح أنت وهي “دوَّاسة” أهل العالم الجديد بقوانينه ونظامه المميت يفترض أن تنام ووجهك في مواجهة المراحيض.

ينبغي عليك أن تتعوَّد على لونٍ واحدٍ وحيد؛ الرمادي الكئيب. تحاول أن تنام بإرادتك لكنك بالتأكيد لا تصحو من نومك بإرادتك. تُنتَزَع من نومك العميق فجأة على كلمة التمام. السرير يتحول إلى “نمرة”، ودولابك هو “العصفورة”. وموقع شقتك/ نمرتك داخل البيت الصغير يتغيَّر من “الطرقة، للصف، للمراية، للجنب، للمصلب”، تنام “مسيِّف” وتريح عظم ركبتيك بوضع “فخَّادة” مخدة صغيرة أو فوطة بينهما. مساحة سريرك محدودة “شبر وقبضة”. لا خصوصية لك داخل السجن. تتعوَّد أن تنام وجسدك ملتصق بأجساد الآخرين. ستارة الحمام لا تمنع أحدًا من الدخول عليك. كل شيءٍ في السجن يُهدِر كرامتك في كل لحظة. وجوهٌ شاحبةٌ تتعوَّد عليها حتى يأتيك وجهٌ شاحبٌ جديد سرعان ما تختفي ملامحه الجديدة. فتحة الباب التي لا تجاوز حجم كتاب تصبح هي “النضارة”، اسمها كذلك وهي فعلًا تقوم بنفس الوظيفة، فأنت ورفاقك داخل الزنزانة بدونها عميان، من خلالها تطل على مساحة أوسع، ترى نورًا أوضح، ووجوهًا أخرى، من خلالها أيضًا تتحدث إلى جيرانك، فهي نضارة وتليفون وتليفزيون، تنادي منها على الرقم الذي تريد أن تتحدث إليه فيرد عليك أي سجين.

في السجن، ٢٢ بيكلِّم ٥. كمان النضارة وسيلة دعاية سياسية. بالليل وبعد أن تخف حركة الحرَّاس تصدح النضارات بالأناشيد والأشعار والهتافات. تستطيع مع الوقت أن تعرف مصدر الصوت والانتماء السياسي الذي يعبر عنه، فعندما تسمع مطلع انشودة “الله غايتنا.. قرآننا دستورنا.. رسولنا قدوتنا.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، تعرف أنه معتقلٌ من جماعة الإخوان المسلمين. ثم يأتي الرد من عنابر الجنائي هذه المرة “انت بتقول اييييييه”، و”البطة مش ليك يا مرزوق”. ينتقل الصوت من عنبرٍ إلى آخر: “احنا الصوت ساعة ما تحبوا الدنيا سكوت” ربما أحد شباب الديمقراطية “٦ أبريل أو يساري أو الاشتراكيين الثوريين أو من شباب الثورة”  هذه المرة: “افتح سجنك واكسر بابه قولوا للكلب يلم كلابه”، فيأتي الرد سريعًا من عنبر جنائي: “باب ايه يا عم يعني مفيش حاجة بتتكسر”، وهكذا تستمر النضارة في الكلام .

لا تستغرب من قدرات النضارة، فلا يعرف قيمتها إلا من أُغلَقَت في وجهه. عندما تغلق إدارة السجن النضارات تشعر وكأنك سُجِنت داخل السجن. إغلاق النضارة يعني إغلاق التلفزيون والتليفون وسد الهواء النظيف عنك. إغلاق النضارة يعني العمى، وإغلاقها له مدلول ومعنى أيضًا؛ إما أنه قد وردت للتو مجموعة من الشباب تعساء الحظ تنتظرهم حفلة الاستقبال، فتأتيك عبر الجدران صرخاتُهم، أو أن إغلاقها إيذان بعملية تفتيش لإحدى الزنازين قد تكون هي زنزانتك فتتسارع دقات قلبك خوفًا من “بهدلة التفتيش”.

قائمة احتياجات السجين

ادوات نظافة شخصية

صابون ، فرشة أسنان ومعجون أسنان ، ماكينة حلاقة بلاستيك واحدة بس كل زيارة ، ديتول سائل ، فوطة .

أدوية

مراهم علاج الهرش ، فلاجيل ، انتينال ، أدوية مغص ، برد ، صابون سائل أو قطع.

أغطية و فراش

بطانية رمادي ميري ، ملاية سرير وكيس مخدة يفضل لون أبيض، كوفرتة .

الملابس

المحبوس احتياطيًا

تريننج أبيض سادة تماما .. شبشب “يفضل بلاستيك أبيض”

ملابس داخلية بيضاء .كلسون تدفئة أبيض .فانلات بيضاء سادة بكم.

المحبوس بحكم قضائي

تريننج أو ملابس زرقاءسادة تماما .. شبشب “يفضل بلاستيك أزرق” ملابس داخلية بيضاء .كلسون تدفئة أبيض .فانلات بيضاء سادة بكم “تلبسها تحت الملابس الزرقاء.

الطعام

معلبات مغلفة بالورق او البلاستيك وجبنة بيضاء ، حلاوة ، عسل ، مربى ، طحينة ، تونة في برطمان بلاستيك ،جبنة قديمة برطمان بلاستيك ، فاكهة “يفضل اللي تعيش فترة طويلة – برتقال ، ليمون ،رمان ،، الخ”.

فلوس السجن

السجائر هي عملة السجن ، وسواء كنت مدخن أو غير مدخن ، فهي سبيلك للمقايضة والحصول على الخدمات وقضاء احتياجاتك.

خامسا: نصائح عامة هامة

– التليفون المسرب

من المفروض أن قانون السجون بيسمح بمكالمة لك “على حسابك” لكن عادة يتم إهدار هذا الحق ، فممكن يتم تسريب تليفون بشكل أو بآخر، في هذه اللحظة لا تكلم سوى أهلك أو المحامي ، وفي أمور تتعلق بحالتك وطلباتك فقط ، لان التليفون الغير معروف مصدره ، قد يكون مدسوس عليك عشان تكلم شخص اخر أو تقول كلمة أو معلومة ، معرفتها تدينك أو تدينه.

ومهم ألا تذكر اسماء أي اشخاص اخرين في اتصالك مع المحامي أو الأسرة، ولو من باب التحذير.

– محامي محدد

لما يكون عندك تحقيق في النيابة ، دائما اطلب اسم محامي محدد بالاسم ، حتى لا يتم الزج بمحامي آخر سواء لتظبيط الورق ، أو يكون عصفورة “متعاون مع الأمن” ويخلي موقفك صعب لأنه لن يدافع عنك بشكل جيد.

– التحقيق في الأوقات الرسمية

اذا تم استدعاؤك للتحقيق في غير المواعيد الرسمية ” خصوصا بالليل متأخر” رغم أنك كنت محتجز لدي الشرطة أو رحت النيابة من بدري ، لكن طلبوك للتحقيق متأخر ، خليك مصر على أن يتم التحقيق في المواعيد الرسمية يعني بالنهار وفي حضور محاميك ، وقول لهم أنك تشعر بالارهاق وغير قادر على السهر أو متعب، وده عشان فعلا تكون قادر تركز ، وعشان يحضر معاك محاميك أو على الأقل محامي تعرفه، وعشان لا يصح أنهم يستفردوا بيك متأخر ،، اصر على ذلك مهما هددوك.

– تحديد ساعة فتح التحقيق “للمحامين”

يجب على المحامي في بدء تقديم دفاعه عن المتهم ، ان يصر على تدوين ساعة بدء التحقيق “المحضر” ويثبت هذا في طلباته ، حتى يمكن الرجوع اليها في الدفاع أمام المحكمة ، لإثبات تعرض المتهم للإرهاق و ركنه ساعات محتجز حتى أصيب بالارهاق.

– وقائع التعذيب المعنوي

طبعا مفهوم أنك ستصر على إثبات أي آثار تعذيب قد يكون حصل لك ، لكن أيضا في أثناء التحقيق ، لابد أن تذكر وقائع التعذيب والترهيب المعنوي التي تعرضت لها ، رغم أنه ليس تعذيبًا بدنيًا، مثل حرمانك من النوم ، التخويف ، التهديد ، الحرمان من الطعام أو العلاج ،، لابد أنك تقول الكلام ده ، وتثبته في تحقيق النيابة ، وإذا حدث هذا من النيابة نفسها ، تذكره في التحقيق التالي أمام نفس النيابة ، أو في جلسة التجديد ، وأيضا أمام المحكمة التي تنظرالقضية، وعلى المحامي أن يصر على تدوين هذه الأقوال.

– الاطلاع على الأقوال

قبل التوقيع على أقوالك أمام النيابة ، وبعد التحقيق ، من حقك تصر تقرأ اللي سكرتير الجلسة كتبه ، لانه “جل من لايسهو” عشان تتأكد أن إجابتك بالنص تم كتابتها ولم يتم التعديل فيها أو نسيان شيئ منها.

– الملاحظات والطلبات ” للمحامي”

المحامي من حقه يطلع على المحضر قبل بدء التحقيق ، وخلال التحقيق إذا شاهد أو سمع شيئ ، من حقه وقف التحقيق لإثبات الملحوظة ، لكن دفاعه والطلبات تكون بعد نهاية التحقيق ، عملا بالقاعدة ( الملحوظة في وقتها ، والطلبات في النهاية).
تلغراف المحامي

يمكن للمحامي اللي معاه توكيل من المتهم ، أو موكل من أسرته ، أن يرسل تلغراف للنيابة العامة التي تباشر التحقيق مع المتهم ، وممكن أيضا يبعته للنائب العام ، يقول فيه :

أنا ………………………. محامي …………………………………….. بتوكيل رقم …………………. مكتب ………………………… وعنواني …………………………………….. وتليفوني ………………………. رجاء ابلاغي بمواعيد التحقيق مع المتهم ……………….. للحضور معه.

التوقيع ………………………………

– احذر الحقوقيين المزيفين

مش كل حد يقولك أنا محامي من حقوق الإنسان تصدقه، ممكن يكون محامي مدسوس عليك ويدعي أنه حقوق إنسان ويورطك ، ممكن يكون فعلا محامي حقوق إنسان من المنظمات المزيفة اللي معندهاش مصداقية وجي بمنطق التمثيل المشرف ، يعني يحضر وخلاص ، مش مهموم بقضيتك. والحل إما تطلب محامي محدد أو يقولك أنا جي من مؤسسة بعينها ، تكون عارف أنها جادة ومستقلة.

– بث الأمل

خلال سجنك أو حبسك ، هتكتر الحكاوي مع السجناء والمحبوسين ، بعضهم هيحكي لك عن قضيته ، بث الامل في نفسه وطمنه أنه انشاءالله هيخرج وأن شويه عدل هيكونوا السبب في استعادته لحريته،، واياك ان تسد أمامه باب الامل في افراج أو حرية قريبة ، لانك لو فعلت ، فسوف تكدره وبالتالي تكرد نفسك ، ويزيد الكرب لك وله.

– إيه رأيك في ،،، ؟

إذا سألك المحقق ” عادة وكيل النيابة” ايه رايك في كذا؟ “مثلا النظام السياسي ، أو حزب كذا؟ أو الشخص الفلاني ،، فلا تجيب ، فهذه أسئلة راي وتفتيش في الضمائر. ومن حقك تقول : احتفظ بالاجابة لنفسي.

– صون كرامتك ، بيدك

السجان ، أمين الشرطة ، الضابط ،، ليس بيدهم اعادة حريتك اليك ، فأنت في السجن أو الحبس لقرار صادر من أخرين ،، لذلك فلا اكون ضعيف ولا تحاول استدرار عطفهم ، بل تعامل بكرامة وثقة ، كل المطلوب منك أن تحسن معاملتهم بكرامة ، حتى يهونوا عليك فترة بقائك معهم. وتذكر ، الناس تحترم القوي وصاحب الكرامة ، حتى لو اختلفوا معه.

– محاولة لمعرفة مكان محتجز

اذا كنت محتار في معرفة مكان سجين ، فعن طريق عمل حوالة بريديه عن السجون المتوقع وجوده فيها بمبلغ بسيط عشرين جنية مثلا ، جميع السجون اللى مش موجود فيها السجين سترد الحوالة ، أماالسجن الموجود فيه فسيقوم باستلام الحوالة.

 

القسم الثاني: شهادات لسجناء سابقين

1: شهادة كريم طه

“أمين الشرطة بتاع الترحيلات في قسم ،،،،،،،،،، اسمه عم ،،،،،،، وأنا كنت مسميه ،،،،،، منشار، عشان مش بيفوِّت فرصة إلا لما يطلع منها بمصلحة، أنا فاكر لما قالي التيشيرت اللي عليك ده عاجبنى وراح جابلي تيشيرت معفن وقالي بدل ده أديدوس أصلي من بلاد بره. كل ترحيلة كان بياخد على الراس 200جنيه من الأهالي، كنا 29معتقل في القضية. احسبها انت بقى.. ده غير إن كان معانا دكتور صيدلي عنده صيدلية فكل ترحيله أخوه كان بيجيب علبة ترامدول أو فياجرا لعم إبراهيم. وساعات فيتامينات للأولاد!”.

“ترحيلة جديدة لمعتقل الكيلو 10ونص وحفلة استقبال، وتكديرة.. والعقاب كان إنهم يقعدونا مع الجنائيين. جه الليل ولازم ننام والزنزانة مفيهاش خرم إبرة!

كمِّلنا أوسخ ليلة في حياتنا، والصبح قررت أنام حتى لو في الحمام، كمان خناقات الجنائيين بالموس كانت مرعبة.

بعد شهرين، اترحلنا  على ،،، وبدأت حفلة استقبال جديدة”.

2: شهادة عمر حاذق

في صباح يوم 2ديسمبر 2013كانت ثمة وقفة للمطالبة بإسقاط قانون التظاهر والاحتجاج على قمع الداخلية والمطالبة بالقصاص من قتلة الشهيد خالد سعيد. كان ذلك أمام مبنى المحكمة على كورنيش الإسكندرية.

فور بدء المظاهرة هددنا الضباط بفضها. رفضنا الانصراف فبدأوا ضربنا. أصابوا الرفيق طاهر مختار بجرح كبير في رأسه، فتدخل شاب لم أكن أعرفه، لؤي القهوجي، لإنقاذ طاهر منهم، فضربوه ضربا مبرحا، وداسوا عليه بالبيادات واعتقلوه. طالبنا بإطلاق سراحه فأطلقوا قنابل الغاز علينا بكثافة. اضطرنا الغاز الخانق للتفرق. بعد برهة عدت إلى موقع المظاهرة، رآني الضابط الذي كان يقود قوات الأمن. سألني لماذا لم أنصرف، فقلت إنني أريد معرفة مصير زميلنا المعتقل، فأخبرني أنه سيُعرض على النيابة متهما، فقلت بأنه تم الاعتداء عليه بوحشية.. حلف إن لم أنصرف، أن يعتقلني معه، فلم أنصرف، واعتقلني.

في حجز محكمة المنشية التقيت بلؤي القهوجي. تعارفنا. كان مصابا بجروح كثيرة قمنا بتضميدها وجلسنا ننتظر في الزنزانة الضيقة.. مازال لؤي منتظرا حتى الآن. بعدها فُتح الباب، دخل شاب ريفي بسيط جدا. بدا واضحا أنه لاعلاقة له بالمظاهرة. كان يبكي مرعوبا. توسّل للشاويش الذي دفعه بغلظة نحونا أن يساعده في الاتصال بوالده. كان منهارا فسخر منه الشاويش: “لما تبقى تروح سجن برج العرب ابقى كلم ابوك يا روح امك”. وأغلق الباب عنيفا. أشفقنا على الفتى إسلام وداوينا جروحه. كان يبكي بكاء مريرا دون أن يعلم أن والده سيموت قهرا عليه بعد تأييد الحكم في محكمة الاستئناف.

بعد المغرب رحّلونا إلى مديرية أمن الإسكندرية. أدخلونا زنزانة كبيرة للسياسيين، وهم سجناء قضايا الإخوان. بعضهم من الإخوان، وبعضهم متعاطفون مع ضحايا مجزرة رابعة، وبعضهم اعتقل عشوائيا مثل إسلام الذي لم يكن يعرف معنى 6إبريل، وهي التهمة التي روج لها الإعلام والداخلية حتى أن قضيتنا عُرفت في السجن بقضية 6إبريل، مع أنه لم يكن بيننا أحد ينتمي لحركة 6إبريل. تشرّفني هذه التهمة لو كانت حقيقية.

في البداية يظل السجين يتعلّق بإخلاء سبيله. لا يتأهب السجين للحياة في السجن إلا بعد حكم الاستنئناف في الجنح، أو حكم الدرجة الأولى في الجنايات، لأن النقض في الحالتين يتأخر سنتين غالبا أو أكثر.

في المديرية مكثنا حوالي أسبوعين. حاولنا استيعاب صدمة كوننا سجناء. عرفنا منذ الليلة الأولى أن المحضر يتضمن اتهامات تستوجب السجن سنوات، لكننا، كأي سجناء، كنا نتعلق بالأمل.

حوكمنا سريعا. في منتصف ديسمبر، أصر القاضي على الحكم في أول جلسة دون منح المحامين أجلا لتصوير القضيىة وقراءتها وإعداد مرافعتهم. رد المحامون هيئة المحكمة. في الأسبوع التالي تنحت هيئة المحكمة عن نظر القضية بعد أن سحب المحامون طلب الرد. الهيئة الجديدة حكمت علينا يوم 2يناير 2014بالسجن سنتين وغرامة 50ألف جنيه.

لكننا كنا قد رُحّلنا إلى سجن الحضرة يوم 18ديسمبر.

وقتها، كانت السجون هي الأقسى. لم يكن ثمة تعذيب منهجي في الأقسام أو المديريات. بدأ ذلك أوائل 2014. عرفناه من السجناء الواردين إلى السجن وآثار التعذيب على أجسادهم. كان السجن يسبب صدمة كبرى لأن المعاملة فيه “ميري”؛ الزي والطعام والزيارات وكل شيء. في المديريات والأقسام تكون المعاملة “ملكي” في الملبس والمأكل والزيارات اليومية… لكن الوضع تغير وأصبحت الأقسام والمديريات جحيما من التعذيب.

في السجن زنزانة تسمى زنزانة “الإيراد”، يُوزع السجناء عليها مؤقتا قبل تسكينهم في زنازين “السُّكنى”. زنازين الإيراد في غاية القذارة لأنه لا أحد يسكنها، مثلا: النوافذ غير مسدودة بشيء فتكون كالثلاجة في الشتاء، وتكون بلا مراوح من التي يحضرها السجناء في الصيف فتكون جحيما؛ خاصة مع التكدس. بعدها بحوالي 10أيام قاسية، تم توزيعنا على زنازين السكنى.

ثم رُحلنا إلى سجن برج العرب يوم 21فبراير 2014، بعد تأييد الحكم.

ليالي السجن ونهاراته لا تكاد تنتهي. الزنازين المكدسة تتيح للسجين مساحة ضئيلة بحيث يجلس بصعوبة. دخول الحمام بالدور، وبمعاناة في تخطي الزملاء المتكدسين. التريض قصير جدا في العادة. إذن يجلس السجين متكوما على نفسه، منتظرا الليل لينام بصعوبة. الملل يعذب السجين مادام عاجزا عن عمل شيء مفيد. عرفت سجينا كان ينتظر الليل ليشعر أنه قضى يوما من مدة العقوبة الجاثمة على صدره.

عرفت سجناء آخرين كانوا يدونون جداول معقدة للأيام وتواريخ الاعتقال والخروج؛ حيث يشطبون صباحا على اليوم الفائت؛ متأملين الأيام المنقضية، والباقية. هؤلاء من سجناء المدد القصيرة، التي لا تتجاوز ثلاث سنوات. المحكومون بمدد أطول لا يحسبون أيامهم. هكذا لا مفر من التفكير في وجع الحبسة والاشتياق للأهل والأصدقاء والحياة خارج السجن. ما من إنسان يتحمل البقاء طوال يقظته محاصرا بهذه الأفكار.

قبل الحكم دائما يكون السجين مستغرقا في حلم إخلاء السبيل والخروج وفرحة الأهل والاحتفالات، لذلك يكون تأييد الحكم في الاستئناف قاسيا جدا. من الضروري هنا أن يساعد الأهل السجين على قضاء وقته في عمل يصرفه عن الأفكار السوداء. يمكن ذلك ببعض الوسائل: التقديم للدراسة بما يسمح بدخول الكتب بشكل رسمي، مع شراء سدادات أذن ممتازة تعزل السجين عن ضوضاء الزنزانة المكدسة، فيجد السجين وقتا للدراسة، أو قراءة كتب يحبها  كالروايات، أو غيرها. هنا تكون المشكلة في إدخال الكتب، لأن بعض السجون لا تسمح بها.

من وسائل ذلك أيضا الانشغال بعمل يدوي، مثل التريكو والكروشيه والحظّاظات، أو النحت على الصابون، أو الرسم على أطباق الفِل، أو تطبيق الورق (الأوريجامي) أو الرسم أو الكتابة أو دراسة لغة أجنبية باستخدام معجم وكتاب تعليمي. ذلك كله لا يحتاج إلا لأدوات بسيطة.

من المهم أن يشرح الأهل للسجين أنه قد يكتشف هواية يحبها لم يكن يتخيلها من قبل. بالنسبة لي بدأت كتابة روايتي الحياة باللون الأبيض في ليلة رأس سنة 2014. كنت أكتب في كراستي ليلا، في الظلام، ثم واصلت الكتابة في سجن برج العرب مستخدما لمبة صغيرة أعلقها فوق رأسي مباشرة. كان يمكن وقتها إخراج الكراسات بلا مشكلة في الزيارات، قبل منع ذلك في عهد مجدي عبد الغفار. حين انتهيت من كتابة الرواية في أغسطس 2014، قرأت روايات، ثم قررت تعلم فن الأوريجامي (فن تطبيق الورق).

في بداية الحبسة، التقيت في سجن الحضرة بالصديق شريف فرج، المدرس المساعد بكلية الفنون الجميلة، وكان لديه كتاب أوريجامي، يطبق منه بعض القطع البسيطة. طلبت منه أن يعلمني، لكني لم أصبر، ففشلت في تعلمه.

في سبتمبر 2014، طلب مني زميل ورق جوابات ملونا، فأحضرت أسرتي، بالخطأ، رزمة من الورق الملون الذي كان يستخدمه شريف في الحضرة.. ومضت في ذهني ذكرى الأوريجامي وعزمت على إجادة هذا الفن لأنني اكتشفت محبته. طلبت من أسرتي نسخة من كتاب شريف الذي خرج من السجن. بدأت تعلم الأوريجامي من الصفر دون معلم، مع الوقت تقدمت. اكتشفت الآن ولعي به. كان ذلك ذا فائدة عظيمة لي ولزملائي.

كانوا يرونني أطبّق الورق الملون فراشات وعصافير وزهورا، فتعلق كثير منهم بالأوريجامي، وطلبوا أن أعلمهم. كان الوضع محتملا في 2014، فكنا نلتقي في التريض في حلقة تعليم الأوريجامي؛ الذي أغوى زملاء في زنازين أخرى. بدأت أنظم الأمر، وكان زملاء الزنازين الأخرى يتعلمون مني في التريض، ثم يعلمون زملاءهم بعده. كنت أوزع الورق الملون عليهم، وكنا نخرج الكثير من قطع الأوريجامي في الزيارات هدايا للأطفال والأهالي. يفرح السجناء كثيرا بأية هدايا يقدمونها لأحبابهم.

لذلك من المفيد أن ينبه الأهل السجين إلى أهمية أن يجرب يديه في أي مشغولات يدوية، فكلما استطاع أن يشغل نفسه بهذه الأمور، تحسنت حالته النفسية كثيرا، هو وزملاؤه؛ لأنه سيدخل البهجة على قلوب زملائه وذويهم.

كما سيجد أن هناك مهام مطلوبة منه: سيطلب منه زميل هدية لطفله في زيارة الغد. سينشغل طوال اليوم بإعداد الهدايا. هكذا أفلت من الأفكار السوداء.

رغم ذلك، ما من حل نهائي لهذه الأزمة. ربما يفيد السجين أن يذكر نفسه بأن المعاناة التي يتحملها ثمن لتطور اجتماعي يمر به المصريون، ثم يتجاوزونه إلى وعي أرقى. يفيد أيضا أن يذكر السجين نفسه ببعض الفوائد التي نالها من السجن: يتلقّى خبرات هائلة ويتعلم الكثير عن الحياة كما يتكيف مع ظروف لم يتصور أنه سيتجاوزها يوما. هذه الحلول قد لا تصلح للسجناء جميعا. لذا ينبغي على الأهل التفكير في طبيعة سجينهم وكيفية مساعدته ودعمه بالوسيلة الممكنة. على أن أكثر ما يدعم السجين الهدايا أو رسائل الأصدقاء أو الداعمين للسجناء أو حملات التدوين، المقالات…

يفيد ذلك جدا لأن السجين يشعر أنه معزول عن العالم والحياة، لا يعرف شيئا مما يجري خارج أسوار السجن. حياته كلها متوقفة؛ لذا يفرحه أن يتذكره ناس من خارج السجن.

أما التعامل مع الضباط والشاويشية والمخبرين فيختلف دائما من سجن لآخر. في الأغلب يمكن دفع أموال للشاويشية والمخبرين لتسهيل بعض الأمور. مثلا السجين المريض يحتاج غالبا لدفع مبلغ من المال حتى يخرجه الشاويش إلى مستشفى السجن.. وهكذا.

المشكلة دائما مع الضباط، لأن الشاويشية والمخبرين غالبا يأتمرون بأمرهم حرفيا، فيضربوننا مثلا في الأيام العصيبة، بعضهم يعتذر لنا بعدها حين يمكنه الحديث معنا معترفا بأنه “عبد المأمور”. ينبغي أن يكون الأهل حذرين إذا أمر الضابط بإخراج بعض متعلقات الزيارة فلا يستفزونه لأنه قد يمنع أشياء أكثر، وقد يتطاول عليهم. كما أنه ممنوع تماما إدخال المطاوي والسكاكين المعدنية والموبايلات لأنها قد تتسبب في نقل سجينهم إلى التأديب وإهانته وضربه.

إحساس السجين بذاته أمر معقد. تنقلت بين زنازين عديدة، دائما كان ثمة سجين سابق كتب على حائط الزنزانة جملة مشهورة “متخليهمش يكسروك”.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة. الحمام الضيق الذي ينغلق بملاءة، لا يمنع شيئا عن الزنزانة؛ لا الروائح ولا الأصوات.. يحتاج السجين إلى تعلم إدارة أموره. مثلا: ثمة مدسوسون “عصافير” بيننا، في السياسيين أكثرهم ممن اعتقلوا عشوائيا، لا يحدث ذلك دائما. أحيانا تحدث خلافات بين السجناء فيسمع  الشاويش أصواتهم، ويبلغ عنهم.

من المهم أن يكون السجين حذرا، فلا يبوح بشيء لأي غريب. غالبا يميل السجين للفضفضة تحت وطأة الحزن والوحدة والاشتياق، كما لا يُكتشف السجين العصفورة إلا بعد مدة. بعض الزنازين تخلو منهم، مع احتمال انتقال الأخبار بين السجناء بحسن نية دائما، وقد تصل للشاويشية، ثم الضباط.

أما القمع فتختلف السجون في مستوياته. في سجن برج العرب مع تولي مجدي عبد الغفار الوزارة تدهورت أوضاعنا. أصبحنا عرضة لاعتداءات يومية؛ ضرب، تعذيب، سب، إهمال طبي عمدي، منع دخول أدويتنا، التطاول على الأهالي، منع أغراض الزيارة من الملابس والطعام، مصادرة مراوحنا ومنع دخول غيرها، التربص لتأديب أي سجين بإيداعه زنزانة ضيقة بلاحمام، مع جردل لقضاء الحاجة وزجاجة مياه للشرب والنظافة الشخصية، مع ضرب تختلف وحشيته بحسب مزاج الضابط المسئول. حين عاد لؤي القهوجي من التأديب رأيت إصابات وجروحا شديدة في وجهه ورأسه الذي ضربه شاويش التأديب في الحائط.

بعد الزيارات، كنا نجلس على الأرض كالأسرى. كان الضباط يشتموننا، وكان تفتيشنا الشخصي مهينا جدا قبل الزيارة وبعدها. ثمة سجون أخرى فيها تعذيب يومي قاس. ليس هناك حل نهائي لهذه المأساة.

بعض السجناء يميل لافتعال كثير من المشكلات تحت وطأة الغضب والقهر. تلك مشكلة أخرى، لأنه إذا اجتمع منهم ثلاثة في زنزانة واحدة، أشعلوها خلافات وشجارا. ليس هناك سجناء دائمون من هذا النوع. يتورط السجين العادي في ذلك أحيانا إذا ثقلت عليه مشكلات عائلية أو ضغوط مالية، أحيانا يحدث ذلك بعد تلقي حكم قاس، أو بالتزامن مع الأعياد ومواسم الصيام حيث يشتد الشوق للإفطار مع الزوجات والأبناء. يكون مفيدا دائما أن يعزل السجين نفسه عن الزنزانة بسدادات الأذن أو الإم بي ثري إذا كان مسموحا به. ويكون مهما أن يحرص السجين على إنجاز يومي من القراءة أو الكتابة أو العمل اليدوي.

يحتاج السجين أيضا إلى تعلم إدارة علاقاته، بحيث لا يتورط في مشكلات كثيرة، وينجو، قدر الممكن، من عدوى الاكتئاب. السجين العصفورة يرغب دائما في الاستفادة بتلقي طعام أو امتيازات مثلا. هذا أمره سهل، ينبغي تجاهله تماما بدون إهانة ولا تحقير. السجين الذي يفتعل المشكلات يكون من المفيد التعامل معه بحذر شديد وأدب، مع تجنب مناقشته لأنه يميل غالبا إلى تصدير طاقة اكتئابه دون قصد. يمكن دائما مساندته والاستماع إليه في حدود طاقة الاحتمال المتاحة. كما يمكن التدخل ومساعدته وقت المشكلات الحقيقية.

كان لي زميل ذو تكوين نفسي بالغ الهشاشة. كان كالطفل. في فترة ما كان سببا في مشكلات يومية كثيرة ومزعجة جدا. كنا أصدقاء فتجنبته. في إحدى الزيارات رأيت طفلته الصغيرة باكية، متعلقة به في نهاية الزيارة، صارخة: “يا بابا تعالى روّح معانا البيت يا بابا”. كانت المسكينة تدرك أنها لا ترى أباها إلا هنا، ثم تُحرم منه حتى الزيارة التالية.. لماذا لا يخرج معها من قاعة الزيارة إلى البيت، كما كان دائما؟؟ كانت الطفلة منهارة، مفطورة من البكاء. زلزلني المشهد، وصَعُب عليّ حال زميلي الذي بدا محطما تماما. أصبحنا نتحدث بعدها ونتواصل بشكل أفضل، لكنني لم أقدر على دعمه دائما؛ لم يكن لي مفر من ذلك لأنجو من الانهيار. بالتدريج يكتشف السجين كيف يوائم بين التأدب مع الزملاء ومراعاة مشاعرهم، والمحافظة أيضا على مشاعره وطاقته الضئيلة المتبقية.

غالبا لا تتوفر حلول جاهزة للزملاء الذين يسببون المشكلات، لأنهم يتغيرون بحسب درجة معاناتهم، كما يختلفون في تكوينهم النفسي والأخلاقي والثقافي. مع الخبرة، يجد السجين وسيلة لإدارة علاقاته. لابد من الاعتراف أيضا أنه كان معي دائما سجناء رائعون، ساعدوني كثيرا وخففوا عني.

الحرية والانصاف لكلِ سجين مظلوم

العدالة والمعاملة الإنسانية لكل مسجون.

سجنك ومطرحك word

سجنك و مطرحك pdf

المصدر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

Comments

جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....

You might also like More from author