عيش حرية عدالة إجتماعية

عن أسبوع الجيش الذي لم ينته منذ سنة

178

في خبر جديد بثته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، تحت عنوان عن أسبوع الجيش الذي لم ينته منذ سنة وذلك في تاريخ 2017-06-20T17:45:05+00:00

 إسماعيل الاسكندراني

    فجر السبت الموافق 7 سبتمبر 2013، أي في مثل هذا الأسبوع من السنة الفائتة، بدأت العمليات العسكرية الموسعة في شمال سيناء بقيادة اللواء أحمد وصفي، القائد السابق للجيش الثاني الميداني، مع وعدٍ منه بتسليم شبه الجزيرة طاهرة من الإرهاب ومتوضئة في غضون أسبوع.

    في أحد التجمعات السكنية البدوية بين قريتي “المقاطعة” و”المهدية” جنوب مدينة “الشيخ زويد”، تفاءل أبناء إحدى العائلات المعروفة بتاريخها المشرف في التعاون مع المخابرات العسكرية المصرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، واستبشروا خيراً بالحملة الأمنية التي اقتربت من منازلهم. قالوا لأنفسهم إن الحملة قد انطلقت من أجل مطاردة الجماعات المسلحة والإرهابيين، فأفرطوا في حسن ظنهم وتهيؤوا لضيافة القوات والترحاب بهم، فأعدّوا الشاي واستعدوا لتقديم الذبائح إذا استجاب القادة لدعوتهم. لكن القوات، التي تحركت مع قطع كامل لشبكات الاتصالات الأرضية والمحمولة والإنترنت، لم تترك لهم مجالاً للتعبير عن الاحتفاء بهم. فإذا بأحد كبارهم يُــقتاد من سيارته الخاصة، ويجري تفتيشه بشكل مهين، ثم يؤمر بتركها والذهاب إلى منزله مترجّلاً، وحين يهم بالحركة يراها تُحرق أمام عينه تحت وابل من الرصاص يستهدف خزان الوقود، من دون أي سبب أو ذريعة.

    وصلتُ إلى العريش بنهاية اليوم الثالث من العمليات، كجانب من توثيقي المهني للأغراض الحقوقية والصحفية. وفي مثل هذا اليوم، العاشر من سبتمبر، بدأت جولتي الميدانية في المنطقة الحدودية، حيث رأيت من الأهوال ما لم تــرَ عيني من قبل، وما لم تسمع به أذني أنه تم على أرض مصرية بأيدي مصرية، لا بسلاح جيش الاحتلال المجرم الذي قصف مدن القناة ونواحي القاهرة في القرن الماضي. لم يكن قد مضى على بدء العمليات الموسعة سوى ثلاثة أيام، لكني رأيت في اليوم الرابع عشرات المنازل المدمرة بالطيران الحربي والدبابات، ومئات أشجار الزيتون المقتلعة، ومئات المشردين من منازلهم ومن العشش وبيوت الشعر التي تقول بيانات المتحدث العسكري إنها مخازن سلاح.

    للوهلة الأولى، لم يكن لي سوى مواقع التواصل الاجتماعي أكتب عبْرها بعد عودة الشبكات، فتلقف مناهضو الانقلاب العسكري ما أكتب بالترحاب وساعدوا في نشره على نطاق واسع ظناً منهم أن ما أنقله سيفيدهم في حراكهم الساعي لإسقاط الانقلاب. وعلى الناحية المقابلة، تعرضت لحملة شعواء من السباب والتخوين والتصنيف والوصم بدعوى أني أدعم الجماعات الإرهابية أو، على لأقل، أني لست وطنياً لأني ضد ما يفعله الجيش.

    امتنعتُ عن المداخلات الهاتفية مع القنوات الفضائية طيلة وجودي في سيناء، وذلك لتفادي ما تعرض له الزميل أحمد أبو دراع من محاكمة عسكرية بسبب مداخلة أجراها مع أحد البرامج الحوارية المصرية، حيث نفى فيها الرواية غير الصحيحة التي صرح بها المتحدث العسكري، ونقَل حقيقة ما رأته عيناه في قريته “المقاطعة” قبل بدء العمليات الموسعة بعدة أيام. مرّ الأسبوع الذي وعد به أحمد وصفي، وتلاه أسابيع وشهور، من دون أن تتطهر سيناء أو تتوضأ من الإرهاب. كانت حصيلة الأسبوع الأول هي مقتل أربعة أطفال وسيدتين داخل منازلهم في قرية “اللفيتات”، كما قتل شاب من القرية نفسها دهساً بالمدرعة، وقتلت امرأة مسنة في منزلها بقرية “الظهير”، بالإضافة إلى رجل أعزل كان عائداً من المسجد إلى منزله. أما الجماعات المسلحة، فكان ردها هو استهداف مبنى مكتب المخابرات الحربية في رفح بتفجير ضخم اهتزت له جنبات المدينة، حيث كاد قائد المكتب أن يُستشهد في تلك العملية التي تم تنفيذها يوم 11 سبتمبر. وفي اليوم ذاته، أصدرت جماعة “أنصار بيت المقدس” بياناً تستعرض فيه الخسائر التي أوقعتها في صفوف القوات النظامية مؤكدةً أنه لم يقتل من عناصرها سوى عضو واحد نفد منه الوقود، فترجّل من سيارته واشتبك، فقتل جنديين قبل أن تقتله القوات.

    في الشهر التالي، كنت أتابع التطورات الميدانية في شمال سيناء وإذا بأنصار بيت المقدس يستهدفون مديرية أمن جنوب سيناء يوم 7 أكتوبر 2013، كما استهدفوا مبنى المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية في الشهر ذاته قبل مرور أسبوعين. وأثناء زيارتي التالية في الشهر الذي يليه، استهدفوا حافلة جنود على الطريق الدولي فقتلوا أكثر من عشرة جنود، وبثوا تسجيلاً مرئياً يوثق هذه العملية لاحقاً. وقبل أن ينتهي عام 2013، استهدفوا مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة. ومع مطلع السنة الجديدة قاموا في يناير بثلاثة عمليات نوعية؛ حيث تحدوا الأهداف الأمنية الإقليمية للعملية العسكرية الموسعة (الحرب) فاستهدفوا “أم الرشراش” (إيلات) بأكثر من صاروخ جراد، واستهدفوا مديرية أمن العاصمة، استجابةً لدعوة وزير الداخلية حين قال: “اللي عايز يجرب يقرّب”، فاقتربوا وجرّب هو. وأخيراً، اختتموا الشهر بإسقاط مروحية عسكرية وقتل طاقمها لأول مرة في تاريخ الجيش المصري، الذي لم تسقط له طائرة مقاتلة من قبل إلا بنيران جيوش نظامية، لا ميليشيا.

    خفتت الأخبار الواردة من سيناء لفترة، بسبب التضييق الأمني الشديد الذي طاول الباحثين الحقوقيين والصحفيين المصريين والأجانب، لكن متابعة الأخبار مع أهلنا من سكان المنطقة الحدودية كانت تؤكد بأن الأوضاع تزداد سوءًا. وفي أغسطس المنصرم وحده، نشر “أنصار بيت المقدس” تسجيلات مرئية توثق إقامتهم صلاة عيد الفطر في الخلاء مدججين بالسلاح المتوسط والثقيل، كما تظهر نسفهم ثلاثة مقرات خالية تابعة لسلاح حرس الحدود غرب الشيخ زويد، بالإضافة إلى لقطات حية لتصفية أربعة جنود بين الشيخ زويد ورفح وجندي خامس في أحد شوارع العريش. بثوا لقطات توضح مسؤوليتهم عن عملية الفرافرة في الجنوب الغربي من مصر، كما أذاعوا اعترافات عملاء لأجهزة الاستخبارات الصهيونية قبل أن يذبحوهم على الطريقة الداعشية ويلقوا بجثثهم مفصولة الرؤوس نواحي منازل ذويهم. في مطلع الشهر الجاري استهدفوا مدرعة على الطريق الساحلي بين الشيخ زويد ورفح فقتلوا ضابطاً وعشرة جنود، وفي الأسبوع ذاته استهدفوا مدرعة أخرى في منطقة المزرعة جنوب العريش فقتلوا فرداً وأصابوا خمسة.

    لا يوجد حصر موثوق لأعداد القتلى من أي طرف؛ لا في صفوف الجيش ولا المدنيين ولا أعضاء الجماعات المسلحة الذين يؤكد السكان المحليون أن أكبر عدد قد قُتل منهم في يوم واحد لم يتجاوز أصابع اليدين، وهو ما يخالف تماماً ادّعاءات المتحدث العسكري، السابق والحالي، التي لو خاطرنا بجمع الأرقام الواردة فيها فقد نصل إلى أرقام من القتلى والمعتقلين تفوق عدد السكان المحليين في قرى المنطقة الحدودية من شمال سيناء. وعلى الرغم من نجاح القوات النظامية في تصفية القائد العام لأنصار بيت المقدس، توفيق محمد فريج، في شهر مارس من العام الجاري، إلا أن هذا النجاح النوعي لم يؤثر في قدرات الجماعة على مدار الشهور التالية. أما النكتة الكبرى فهي تكرار نشر أخبار مقتل شادي المنيعي القيادي في التنظيم عدة مرات، وفي كل مرة يخرج على الملأ في شوارع الشيخ زويد لينفي تلك الأخبار. أحياناً يلجأ شادي إلى لعب الكرة وسط شباب قريته “المهدية” لإيصال رسالته، وفي أحيان أخرى يلجأ إلى الظهور بوجهه في تسجيلات مرئية، حيث يقرأ أمام الكاميرا أخبار مقتله في الجرائد مستهزئاً بها.

    وقع الناس بين مطرقة الجيش وسندان الجماعات المسلحة، في حرب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. فقدوا بهجة الحياة، حيث عُطّلت أشغالهم ومدارس أبنائهم، ودُمّرت الوحدات الصحية الحكومية بحجة استخدامها كمستشفيات ميدانية للإرهابيين، واعتقل العشرات من الأسواق والشوارع، وأضحى الناس على موعد صباحي مع الجثث الملقاة في الشوارع، إمّا مهلهلة من آثار التعذيب في مراكز الاحتجاز غير القانونية، وإما مفصولة الرأس تحت دعوى التخلص من جواسيس الموساد على يد الجماعات. ألِفَ الأطفال أصوات الرصاص، وعرف المراهقون كيف يفرقون بين أنواع الذخائر وأحجام السلاح من صوت القذائف، واسترجع الشيوخ ذكريات الحروب القديمة والاحتلال، وعقدوا مقارنات مؤسفة فاز فيها الجيش الوطني على جيش الاحتلال في مقدار البشاعة والعقوبات العشوائية الجماعية.

    نزح المئات هاجرين حطام منازلهم وأطلال قراهم، وهرب الشباب من جحيم العيش الكريه تحت زخات الرصاص واحتمالات التهلكة البدنية، لكنهم لم يسلموا من الخسارة النفسية الفادحة حيث ارتحلوا. كتب الأديب السوداني، الطيب صالح، روايته الشهيرة “موسم الهجرة إلى الشمال”، لكن أهل سيناء يعيشون الآن فصول روايتهم المغمورة “موسم الهجرة إلى الغرب”. فمن استطاع أن ينجو من رفح والشيخ زويد إلى العريش لم يتردد، ومن وجد إلى الإسماعيلية طريقاً لم يتأخر عنه، ومن شق دربه إلى القاهرة أو إلى مطارها لم يتراجع. أما فقراء البدو الذين لا حيلة لهم، فقد ارتحلوا إلى الصحراء بين العريش وبئر العبد حيث يقيمون الآن في عشش وبيوت شعر شبيهة بما أحرقته قوات الجيش تحت دعوى أنها مخازن سلاح.

    سنة كبيسة من الفشل والظلم والقمع والقهر والعقوبات العشوائية الجماعية والانتهاكات الفادحة، هكذا عاشها أهل سيناء ومن عايشهم. أما بالنسبة للجيش الثاني الميداني، الذي استُبدل قائدُه وصفي بقائد أركانه السابق محمد فرج الشحات، فإن الأسبوع لم ينقضِ بعد، وربما يكون لم يبدأ من الأساس. وغالباً العيب فينا لأننا لا نحسن العد، فلربما كان يقصد أسبوعاً من السنوات العجاف!

*نشر هذا المقال في 10 سبتمبر 2014 في موقع مصر العربية

المصدر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....