عيش حرية عدالة إجتماعية

عن حقوق المجرمين والمثليين جنسيا وكل الناس الوحشين

309

في خبر جديد بثته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، تحت عنوان عن حقوق المجرمين والمثليين جنسيا وكل الناس الوحشين وذلك في تاريخ 2017-06-20T17:45:01+00:00

إسماعيل الإسكندراني

صل السُّعار الاجتماعي في مصر مرحلة متقدمة من التوحش، حيث لم يعد الناس يكتفون بنهش مخالفيهم وتجريدهم من حقوقهم، بل يستدرجون من عجزوا عن تصنيفهم لإبداء أدنى قدر من التعاطف أو التضامن مع أولئك “الأغيار” كي تقام حفلات الوصم والاستباحة. يتزعم هذا السُّعار محتكرو الفضيلة الدينية والوطنية على حد السواء، وإن كانت النزعة نحو الفاشية الدينية قد تراجعت لصالح انتشار الفاشية الوطنية كممارسة وسلوك يومي وليس مجرد نزعة فكرية أو رغبة شعورية. المتشرك بين هذين الطرفين هو الإصرار الشديد على هدم فكرة حقوق الآخر، والمدخل لذلك هو الانطلاق من كون الآخر شريراً لا يجب أن يكون له حقوق!
من ناحية الفاشيين الوطنيين، يتم استدعاء وثن “الأمن القومي” ووضعه وسط ساحات جرائم السلطة وانتهاك حقوق المواطنين. يطوف الفاشيون الوطنيون حول صنمهم، ويقدمون له القرابين من أجساد الضحايا وممتلكاتهم، وحين يصرخ الأحرار رافضين الظلم والاستعباد والقهر يتفلسف كهنتهم بهدوء مصطنع ويتساءلون “إذا سرقك لص، هل يقول له المحقق: لو سمحت اعترف؟ وإذا اعتدى مجرم على ابنتك أو أختك، فهل ترضى له بأقل من السلخ في مذابح حماة الوطن؟”
يتعمد سحرة الإعلام الدعائي الخلط بين مفاهيم “خدمة النزلاء” و”حقوق السجناء”. فلم يقل أحد أن تتم معاملة المجرمين معاملة فندقية، وليس هناك تعارض بين حصولهم على حقوقهم وبين الغلظة المطلوبة لتأديبهم أثناء فترة العقوبة. فإذا كان المشتبه به ليس متهماً بشكل رسمي، فإن المتهم رسمياً يظل بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم نهائي من محكمة مدنية مستقلة. وبعد أن يصير المتهم مداناً، فإن عقوبته تظل محدودة بمنطوق الحكم، “فلا عقوبة إلا بنص”، وتظل “العقوبة شخصية” ولا يتم استصحابها على زائريه وأقاربه.
للسجين الحق في الطعام والشراب الأساسي، غير الترفي وغير المضر بالصحة، كما له الحق في قضاء الحاجة بشكل آدمي، والنوم في معزل عن أخطار البرودة الشديدة شتاءً أو الحرارة العالية صيفاً. وللسجناء المدانين بأحكام نهائية حقوق في الطب الوقائي، والعلاج بعد المرض، وإجراء الفحوص وتناول العلاج تحت إشراف الطبيب. بالإضافة إلى ذلك، فللسجناء الحق في القراءة والكتابة ومتابعة الأخبار عما يجري حولهم خارج السجن.
يمكن أن يحصل السجين على حقوقه مقذوفة في وجهه بقسوة تليق ببشاعة جريمته، كما يمكن أن ينال بعض الامتيازات التحفيزية إذا حسنت سيرته وسلوكه. ذلك لأن فلسفة العقوبة هي التأديب والتقويم، أو الإصلاح والتهذيب، وليس الانتقام وزراعة الثأر وتفريخ عتاة الإجرام الذين قد يدخلون السجون في جنحة بسيطة ويخرجون منها مجرمين محترفين عاقدين العزم على الثأر من المجتمع والسلطة، أو كليهما.
لأقارب السجين حق، ولزوجة السجين حقوق خاصة تلتزم إدارة السجن في دولة القانون بجمايتها وتوفيرها. وأي مخالفة أو إهدار أو انتهاك لهذه الحقوق بمثابة قنبلة اجتماعية موقوتة تنتظر إشعال فتيلها ليعم الثأر والفوضى. أما وصم المذنب وأهله وأقاربه وصمة أبدية وتجريدهم من حقوقهم البدنية والمعنوية فهو عين صناعة الإجرام والخروج عن القانون في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد، وأعباء إضافية تثقل كاهل جهازي الشرطة والقضاء، ونيران غضب تحتدم تحت السطح. وفي 28 يناير 2011 العظة لمن أراد أن يعتبر
من الناحية الأخرى، يجتهد ذوو النزعة الفاشية الدينية في ترسيخ المفارقة بينهم وبين مخالفيهم من مدخل الذود عن حمى الدين والفضيلة. وقد يبلغ الانحطاط ببعضهم درجة استدراج بعض الحقوقيين لاستنطاقهم بكلمات يتم اقتباسها عن ألسنتهم للتدليل بها على ضلالهم وانحرافهم الديني، ومن ثم وصمهم واستباحة أعراضهم .
“الموضة” الرائجة الآن هي اجتهاد بعض غلاة الإسلاميين في وصم بعض الحقوقيين بأنهم مناصرون لحقوق المثليين جنسياً. وعلى الرغم من كون تحديد “حقوق المثليين جنسياً” غير متفق عليه في الأدبيات الحقوقية، كما أن التنازع حول الخصوصيات الثقافية للبلدان والمجتمعات المناهضة للعولمة الثقافية لم يُحسم في المجتمع الحقوقي الدولي، إلا أن منطلق هؤلاء الإسلاميين الغلاة ليس مناقشة تفاصيل هذه الحقوق، بل نفيها من الأساس ووصم أي شخص يثبتها.
المتفق عليه بين المتدينيين وغير المتدنيين في المجتمعات الشرقية والجنوبية، سواءً كانوا مثليين أو ذوي ميول جنسية مغايرة، هو أن المعاشرة الجنسية المثلية مرفوضة دينياً وهي خارج منظومة الزواج. فلماذا يستكثر غلاة الإسلاميين على المثليين أن يعتبروهم كالزناة والزانيات؟ فهل للزواني والزناة حقوق؟!
دون الخوض في التفرقة بين المثلية الجنسية كميل نفسي وبين الممارسة الفعلية التي هي مناط العقوبات في الإسلام، إلا أن الشاهد هنا هو تشدق الإسلاميين بالتظام الجنائي في الإسلام ومراعاته لحقوق المتهمين والمذنبين المدانين. فلماذا إذن يحرص غلاة الإسلاميين على نفي وإهدار حقوق المثليين جنسياً، كمرتكبي كبائر في حالة المعاشرة الفعلية وليس مجرد الميل النفسي؟ أليس لمرتكب الكبيرة في الإسلام حق الستر وعدم الفضح؟ أليس لكل فرد حق الخصوصية وحرمة حياته الخاصة؟ فهل أتاكم نبأ عمر بن الخطاب حين تسلق سور شارب الخمر فأحرجه وأخرجه واعتذر عمر؟ أم أن (هيئة “الأمر بالمنكر” و”النهي عن المعروف”) السعودية هي أقصى ما وصل إليه خيالكم عن وظيفة “الحسبة” في النظام الإسلامي؟
يبدو أن هذا الجدل عقيم وغير مجدٍ، فلم يكن حرص ذوي النزعة الفاشية الدينية أبداً الالتزام بتعاليم الإسلام أو مقاصده أو حتى نصوصه، بل كانوا دوماً مستنطقين النصوص الفقهية بما يؤصّل لاختياراتهم وقراراتهم ونزعاتهم السلطوية. تختار أهواؤهم أولاً، ثم يتم استدعاء التراث الفقهي لانتقاء ما يعضّد تلك الخيارات. وهو سلوك لا يختلف كثيراً عن عبّاد الأمن القومي الذين يستبيحون حقوق الآخرين “الوحشين” بدعوى الحفاظ على معبودهم. الكشترك بين النزعتين واضح، والعدو المشترك كذلك واضح، فلا يمكن أن يرضى عنك هؤلاء أو أولئك طالما اعترفت بحقوق الأغيار، لا لشيء إلا لكونهم بشراً. وهذا هو أهم جانب في مأساة حقوق الإنسان في مصر.

*نشر هذا المقال في 25 يونيو 2014 في موقع مصر العربية

المصدر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....