عيش حرية عدالة إجتماعية

للتاريخ: أحكام قضائية ترسخ الحقوق و الحريات

175

في خبر جديد بثته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، تحت عنوان للتاريخ: أحكام قضائية ترسخ الحقوق و الحريات وذلك في تاريخ 2017-07-31T17:43:53+00:00

مقدمة

ليس من اليسير التعرض في كتيب صغير لموضوعات قانونية جل ما تحتويه اجتهادات قضائية في موضوعات متعددة، ذلك أن مثل تلك الموضوعات قد تحتاج إلى موسوعات قانونية كثيرة الفصول والأبواب، لكن المؤكد كذلك أن تكثيف المعنى ووضوح القصد قد يكفيه التحديد لصلب كل موضوع دون اختصار مخل أو تبيان متزايد، من هنا فإن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وهي تقدم هذا الكتيب عن جملة متنوعة من الحقوق والموضوعات القانونية، تضع بين يدي القارئ العادي والمتخصص أهم ما يميز الموضوع القانوني الواحد سواء في جانبه التشريعي أوالفقهي بحيث تكفي تلك الإطالة لفهم جوانب الموضوع الواحد من حيث القانون أوالاجتهاد القضائي.

ولعله من حسن الطالع أنه مع بداية إعداد هذه المطبوعة، صدر حكم من المحكمة الدستورية العليا يجعل إصدار الصحف بمجرد الإخطار، كما صدر حكم المحكمة الإدارية العليا بتقرير الحق في الإضراب واعتبار النصوص العقابية الواردة بشأنه في حكم النصوص التي تم نسخها بموجب دستور 2014.

وسوف نتعرض فيما يلي لمجموعة من الموضوعات القانونية التي سنفرد لكل منها فصلا مستقلا، وقد ارتأينا أن تنضوي هذه الفصول تحت ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المحاكمة العادلة

أولا: الحق في الدفاع

ثانيا: في علانية الجلسات

ثالثا: في الاعتراف

رابعا: في التحريات

القسم الثاني: حرية النشر

أولا: حماية العمل الصحفي والتحرير الصحفي

ثانيا: فيما يتعلق بنشر الأخبار الكاذبة

ثالثا: فيما يتعلق بإهانة رئيس الجمهورية

رابعا: فيما يتعلق بازدراء الأديان

القسم الثالث: حريات وحقوق عمالية

أولا: الحق في الإضراب عن العمل

ثانيا: بطلان العقوبات التأديبية للموظفين بناء على تقارير أمنية

آملين أن يكون هذا الكتيب مساهمة قد تساعد في الإضافة إلى الفكر القانوني للمتخصصين، وكذلك لغيرهم من المعنيين.

أحمد قناوي

عماد فيلكس مبارك

المحاميان بالنقض

القاهرة في 22/7/2017

القسم الأول: المحاكمة العادلة

في وقت يتم فيه الافتئات على ضمانات المحاكمة العادلة، ويضج المتهمون والمحامون بالشكوى من إهدار العدالة في ساحات المحاكم، ويقبع فيه الآلاف من الأبرياء في السجون، وتوالي السلطتين التشريعية والتنفيذية إصدار التشريعات التي تنتقص من ضمانات المحاكمة العادلة، ويضيق النظام ذرعا بإجراءات التقاضي، ويطالبه أنصاره بالمزيد من إهدار العدالة، ويسمون الإمعان في الظلم عدالة ناجزة، كان لا بد لنا من استهلال هذا الكتيب بأحكام المحاكم العليا فيما يخص ضمانات المحاكمة العادلة، وحقوق المتهمين، وقد اخترنا عناوين رأينا أنها تهم المتقاضين والمحامين في الوقت الحالي على وجه الخصوص من واقع تكرار طرح هذه المسائل على بساط البحث في الوقت الراهن، وهذه المسائل هي كما يلي:

أولا: الحق في الدفاع

حرصت الدساتير الحديثة على اعتبار الحق في الدفاع من الحقوق الدستورية نظرا لصلة هذا الحق بالعدالة وحقوق الإنسان ودولة القانون، وهذا ما حرصت علية الدساتير المصرية الحديثة، وجاء النص عليه في المادة 98 من دستور 2014، والتي جري نصها على أن:

حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول، واستقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع، ويضمن القانون لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم”

وجرت تطبيقات القضاء المصري على تحديد حقوق الدفاع وما يتصل بها، فليس حق الدفاع هو مجرد حضور محام عن المتهم أو مع المتهم، بل يجب أن يكون على درجة قيد محددة في بعض الجرائم، ولا يكفي مجرد حضور محام عن المتهم حتى لو على درجة القيد المطلوبة، بل يجب أن ألا يكون محاميا في ذات الوقت عن متهم آخر في ذات القضية إذا كان بينهما تعارض، ولم تقف الاجتهادات القضائية عند هذا الحد، بل اعتبرت أن إبداء دفاع شكلي من المحامي الحاضر أمر مخل بحق الدفاع، كما أن عدم إجابة المحكمة لأسئلة المحامي لشاهد إذا كانت في صلب الموضوع إخلال بهذا الحق.

وفيما يلي، نورد من أحكام النقض هذه الفقرات التالية، ونبرز المبادئ المستقاة منها:

  1. استعمال المتهم لحقه في الدفاع عن نفسه لا يصح أن ينعت بعدم الجدية:

“من المقرر أن استعمال المتهم حقه المشروع في الدفاع عن نفسه في مجلس القضاء لا يصح البتة أن ينعت بعدم الجدية ولا أن يوصف بأنه جاء متأخرا لأن المحاكمة هي وقته المناسب الذي كفل فيه القانون لكل متهم حقه في أن يدلى بما يعن له من طلبات التحقيق وأوجه الدفاع، وألزم المحكمة النظر فيه وتحقيقه ما دام فيه تجلية للحقيقة وهداية إلى الصواب”

(مجموعة الأحكام: س 24 جلسة 22/1/1973 ق 23 الطعن رقم 1415 لسنة 42 القضائية ص 95)

  1. تعلق سؤال الدفاع إلى أحد الشهود بلب حقيقة الدعوى يوجب بسطه والرد عليه إذا اتجهت المحكمة للإدانة:

حق محكمة الموضوع رفض توجيه الأسئلة من دفاع المتهم إلى أحد الشهود. شرطه: عدم تعلق السؤال بالدعوى ولا حاجة للمحكمة إليه في ظهور الحقيقة. تعلق السؤال بلب حقيقة الدعوى يوجب بسطه والرد عليه إذا اتجهت المحكمة إلى الإدانة. رفضها توجيهه إخلال بحق الدفاع. ما دامت الغاية من توجيهه لم تحققها الأسئلة التي ناقشت بها الشاهد

(مجموعة الأحكام: الطعن رقم 17791 لسنة 83 القضائية جلسة 14/5/2014 غير منشور)

  1. لا يتحقق دفاع المحام عن متهم بجناية إلا إذا كان دفاعا حقيقيا:

من المقرر أن الشارع وقد أوجب حضور محام يدافع كل عن متهم بجناية أحيلت إلى محكمة الجنايات،كي يكفل له دفاعا حقيقيا لا مجرد دفاع شكلي تقديرا منه بأن الاتهام بجناية أمر له خطره، فإن هذا الغرض لا يتحقق إلا إذا كان هذا المدافع قد حضر إجراءات المحاكمة من بدايتها إلى نهايتها، حتى يكون ملما بما أجرته المحكمة من تحقيق وما اتخذته من إجراءات طوال المحاكمة، ومن ثم فقد تعين أن يتم سماع الشهود ومرافعة النيابة العامة وباقي الخصوم في وجوده بشخصه أو ممثلا بمن يقوم مقامه، وهو ما لم يتحقق في الدعوى الماثلة، لما كان ذلك، فإن المحكمة تكون قد أخلت بحق الطاعن في الدفاع مما يعيب حكمها بما يستوجب نقضه”

(مجموعة الأحكام: س 27 جلسة 4/1/1976 ق 2 الطعن رقم 1472 لسنة 45 القضائية ص 17)

  1. سماح المحكمة لمحام واحد بالدفاع عن متهمين لهما مصالح متضاربة إخلال بحق الدفاع:

وكان إسناد تهمة حيازة المخدر المضبوط إلى الطاعن، وتهمة حيازة ذات المخدر إلى زوجته يقوم به التعارض بين مصلحتيهما في الدفاع الذي قد يقتضي أن يكون لأحدهما دفاع يلزم عنه عدم صحة دفاع الآخر بحيث يتعذر على محام واحد أن يتولى الدفاع عنهما معا، مما كان يستلزم فصل دفاع كل منهما عن الآخر حتى تتوافر لمحاميه الحرية الكاملة في الدفاع في نطاق مصلحته الخاصة دون غيرها، وكانت المحكمة لم تلتفت إلى ذلك وسمحت لمحام واحد بالمرافعة عن كليهما مع قيام هذا التعارض، فإنها بذلك تكون قد أخلت بحق الدفاع، مما يعيب الحكم ويوجب نقضه والإعادة بالنسبة للطاعن، وذلك دون حاجة إلى بحث باقي أوجه الطعن

(مجموعة الأحكام: الطعن رقم 52010 لسنة 75 ق جلسة 18/1/2009 غير منشور)

ومن أحكام المحكمة الإدارية العليا فيما يتعلق بالحق في الدفاع، نورد ما يلي:

  1. ضرورة كفالة حرية الرد على ما يقدمه أحد الخصوم إلى المحكمة من مستندات:

“أن حق الدفاع أصالة أو بالوكالة حق مقدس لا تقوم له قائمة إلا بتوفير المساواة الحقيقية بين المتقاضين أمام منصة القضاة وأن من ألزم وسائل تحقيق هذه المساواة ضرورة كفالة حرية الرد على ما يقدمه أحد الخصوم إلى المحكمة من مستندات حتى يضع كل طرف تحت نظر المحكمة ما يعين له من أدلة لإثبات حقه، وبغير ذلك لا تتحقق المساواة التامة أمام القاضي الذي يكون مغمض العينين بالميزان لا يرى أيا من طرفي الخصومة مجسدا وإنما يزن بالعدل الذي يستشعره في أعماق وجدانه حجج الطرفين ويرجح ما يقتضيه تحقيق العدل وسيادة القانون بشأنها فإذا ما تمكن أحد الطرفين من أن يضع أمام عيني القاضي مستندا لم يطلع عليه خصمه أو يمكن من الاطلاع عليه وبنى على ذلك المستند قضاءه كان هذا القضاء باطلا، ولذلك لا يجوز للمحكمة قبول أية أوراق أو مذكرات من أحد الخصوم في غير جلسة دون اطلاع خصمه عليها أوإعلانه بها، فإذا قبلت المحكمة مثل هذه المذكرة فإنها يجب ألا تعول عليها أو تتأثر بها في حكمها وإلا كان الحكم باطلا، ويقوم مقام إعلان الخصم أو اطلاعه على المذكرة أية واقعة تفيد هذا الاطلاع وتحقيق الغاية منه وهو إتاحة الفرصة للخصم للرد على دفاع خصمه، وكان ذلك لا يغل يد المحكمة في تنظيم حق الدفاع ووضع القواعد التي من شأنها عدم إضاعة وقت المحكمة عبثا وعدم مباغته الطرف الآخر فيضطر إلى طلب التأجيل مما يعطل نظر القضية”

(المحكمة الإدارية العليا: الطعنان رقما 6221 لسنة 43، 2212 لسنة 44 القضائية جلسة 8/8/2001  س 46 ص 2629)

  1. إذا صدر حكم في منازعة لم يتمكن فيها أحد أطراف الخصومة من تقديم دفاعه والحفاظ على حقوقه فإنه يكون حكما باطلا:

حق الدفاع أمام جهات القضاء وغيرها من الأصول الدستورية المرعية، ويعد أصلا من أصول التقاضي – إذا صدر حكم في منازعة لم يتمكن فيها أحد أطراف الخصومة من تقديم دفاعه والحفاظ على حقوقه فإنه يكون حكما باطلا – يسري هذا المبدأ في حق إجراءات الخصومة التي لم يحضر أحد أطرافها أيا من جلساتها لعدم إخطاره بذلك منذ البداية، أو في أية مرحلة من مراحل الدعوى، كأن تحدد جلسة لنظر الدعوى ويتم تعديلها بناء على طلب أحد أطراف الخصومة ولا يتم إخطار الطرف الآخر بها – أساس ذلك: إهمال حق الدفاع وإهداره، وعدم تصحيح هذا الإجراء الباطل يترتب عليه عدم انعقاد الخصومة، لوقوع عيب شكلي جوهري في الإجراءات يخالف النظام العام للتقاضي

(الإدارية العليا: جلسة 15 من مارس سنة 2008 الطعن رقم 4552 لسنة 52 القضائية عليا س 53 ص 811)

ومن أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تناولت الحق في الدفاع:

“إن الدستور نظم حق الدفاع محددا بعض جوانبه مقررا كفالته كضمانة مبدئية أولية لعدم الإخلال بالحرية الشخصية ولصون الحقوق والحريات جميعها سواء في ذلك تلك التي نص عليه الدستور أو التي قررتها التشريعات المعمول بها، فأورد في شأن هذا الحق حكما قاطعا حين نص في الفقرة الأولى من المادة 69 من الدستور على أن حق الدفاع أصلة أو بالوكالة مكفول، ثم خطا الدستور خطوة أبعد بإقراره الفقرة الثانية منها التي تنص على أن تكفل الدولة لغير القادرين ماليا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم مخولا المشرع بموجبها تقرير الوسائل الملائمة التي يعين بها المعوزين على صون حقوقهم وحرياتهم من خلال تأمين ضمانة الدفاع عنها، وهي بعد ضمانة لازمة كلما كان حضور المحامي في ذاته ضروريا كرادع لرجال السلطة العامة إذا ما عمدوا إلى مخالفة القانون مطمئنين إلى انتفاء الرقابة على أعمالهم أو غفوتها، بما مؤداه أن ضمانة الدفاع لا تقتصر قيمتها العملية على مرحلة المحاكمة وحدها، بل تمتد كذلك مظلتها وما يتصل بها من أوجه الحماية إلى المرحلة السابقة عليها التي يمكن أن تحدد نتيجتها المصير النهائي لمن قبض عليه أو أعتقل وتجعل بعدئذ من محاكمته إطارا شكليا لا يرد عنه ضررا، وبوجه خاص كلما أقر بالخداع أو الإغواء بما يدينه، أو تعرض لوسائل قسرية لحمله على الإدلاء بأقوال تناقض مصلحته، بعد انتزاعه من محيطه وتقييد حريته على وجه أو آخر، وتوكيدا لهذا الاتجاه وفي إطاره، خول الدستور في المادة 71 منه كل من قبض عليه أو أعتقل حق الاتصال بغيره لإبلاغه بما وقع أو الاستعانة به على الوجه الذي ينظمه القانون.

النظام الاجتماعي ينافيه أن تكون القواعد التي تقررها الدولة في مجال الفصل في هذا الاتهام مصادمة للمفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة، وانطلاقا من أن إنكار ضمانة الدفاع أو فرض قيود تحد منها، إنما يخل بالقواعد المبدئية التي تقوم عليها المحاكمة المنصفة، والتي تعكس نظاما متكامل الملامح يتوخى صون كرامة الإنسان وحماية حقوقه الأساسية، ويحول بضماناته دون إساءة استخدام العقوبة بما يخرجها عن أهدافها. كما ينال الإخلال بضمانة الدفاع من أصل البراءة، ذلك أن افتراض براءة المتهم من التهمة الموجهة إليه يقترن دائما من الناحية الدستورية -ولضمان فعاليته- بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر كذلك -ومن ناحية أخرى- وثيقة الصلة بالحق في الدفاع، وتتمثل في حق المتهم في مواجهة الأدلة التي قدمتها النيابة العامة إثباتا للجريمة، والحق في دحضها بأدلة النفي التي يقدمها، وهو ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة وقررته النصوص الصريحة للتعديل السادس للدستور الأمريكي والمادة 6 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان.

الفقرة الأولى من المادة 67 من الدستور التي افترض بموجبها براءة المتهم إلى أن تثبت إدانته في محاكمة قانونية تتوافر له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، تعكس الموازنة التي أجراها بين حق الفرد في الحرية من ناحية، وحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الأساسية من ناحية أخرى، وكان المتهم بجناية غالبا ما يكون مضطربا، مهددا بإدانته بارتكابها وبأن تفرض عليه عقوبة متناسبة مع خطورة الجريمة إذا أساء عرض دفاعه وأعوزته الحجة القانونية، وهو ما يقع في الأرجح إذا حرم من حقه في الاتصال بمحاميه في حرية وفي غير حضور أحد، أو افتقد المعاونة الفعالة التي يقدمها، فقد حتم الدستور بنص الفقرة الثانية من المادة 67 أن يكون لكل متهم بجناية محام يدير دفاعه ويوجهه بما يصون حقوقه ويكفل من خلال الأدلة الواقعية والنصوص القانونية الحماية الواجبة لها سواء كان هذا المحامي منتدبا أو موكلا.

حق الدفاع ضمانة أساسية يوفر الدستور من خلالها الفعالية لأحكامه التي تحول دون الإخلال بحقوق الفرد وحرياته بغير الوسائل القانونية التي يقرها الدستور سواء في جوانبها الموضوعية أو الإجرائية، وهي بعد تؤمن لكل مواطن حماية متكافئة أمام القانون، وتعززها الأبعاد القانونية لحق التقاضي الذي قرر الدستور في المادة 68 انصرافه إلى الناس كافة، مسقطا عوائقه وحواجزه على اختلافها، وملقيا على الدولة بمقتضاه التزاما أصيلا بأن تكفل لكل متقاض نفاذا ميسرا إلى محاكمها للحصول على الترضية القضائية التي يقتضيها رد العدوان على الحقوق التي يدعيها أو الإخلال بالحرية التي يمارسها، وكان حق الدفاع – بالنظر إلى أبعاده وعلى ضوء الأهمية التي يمثلها في بلورة الدور الاجتماعي للقضاء كحارس للحرية والحقوق على اختلافها انتقالا بمبدأ الخضوع للقانون من مجالاته النظرية إلى تطبيقاته العملية -قد أضحى- مستقرا كحقيقة مبدئية لا يمكن التفريط فيها، مندرجا في إطار المبادئ الأساسية للحرية المنظمة، واقعا في نطاق القيم التي غدا الإيمان بها راسخا في وجدان البشرية، وكانت ضمانة الدفاع بالتالي لم تعد ترفا يمكن التجاوز عنه، فإن التعلق بأهدافها الشكلية دون تعمق لحقائقها الموضوعية يعتبر إنكارا لمضمونها الحق مصادما لمعنى العدالة، منافيا لمتطلباتها، ومن ثم لم يجز الدستور للسلطة التشريعية إهدار هذا الحق أو الانتقاص منه بما يعطل فعاليته أو يحد منها، كاشفا بذلك عن أن إنكار ضمانة الدفاع أو تقييدها بما يخرجها عن الأغراض المقصودة منها، إنما يؤول في أغلب صوره إلى إسقاط الضمانة التي كفلها الدستور لكل مواطن في مجال الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، ويعرض حق الإنسان في الحياة والحرية الشخصية والكرامة الواجبة لصون آدميته لمخاطر مترامية في أبعادها عميقة في آثارها، وهو ما يعتبر هدما للعدالة ذاتها بما يحول دون وقوفها سوية على قدميها، سواء كان الإنكار أو التقييد منصرفا إلى حق الدفاع بالأصالة -بما يقوم عليه من ضمان الحرية الكاملة لكل فرد في أن يعرض وجهة نظره في شأن الوقائع المنسوبة إليه وأن يبين حكم القانون بصددها -أم كان متعلقا بالدفاع بالوكالة- حين يقيم الشخص باختياره محاميا يراه أقدر على تأمين المصالح التي يرمى إلى حمايتها، وعلى أساس من الخبرة والمعرفة القانونية والثقة.

إن ضمانة الدفاع وإن كانت لا ترتبط لزوما بمرحلة المحاكمة و حدها كما سلف القول، إلا أن الخصومة القضائية تمثل مجالها الأكثر أهمية من الناحية العملية وهو ما يحتم انسحابها إلى كل دعوى سواء كانت الحقوق المثارة فيها من طبيعة مدنية أم كان الاتهام الجنائي موضوعها. ولقد كان تقدير هذه المحكمة لحق الدفاع وإقرارها لأهميته واضحا في مجال تحديدها للشروط التي يتعين استجماعها لاعتبار العمل قضائيا، وذلك بما جرى قضاؤها من أن القرار الذي يصدر عن جهة خولها المشرع ولاية الفصل في نزاع معين، لا يكون قرارا قضائيا إذا كانت ضمانة الدفاع غائبة عن النصوص القانونية التي تنظم هذه الولاية وتبين حدودها”

(القضية رقم 6 لسنة 13 قضائية دستورية جلسة 16/5/1992)

ثانيا: في علانية الجلسات

تتميز المحاكمة بمجموعة من الخصائص يختلف أغلبها عن خصائص التحقيق الابتدائي، ويرجع ذلك إلى اختلاف الدور الذي تؤديه كل من المرحلتين، والآثار القانونية التي تترتب على كل منهما، ومن أبرز خصائص المحاكمة: علانية الجلسات، وشفوية الإجراءات، والمواجهة بين الخصوم، والتقيد الشديد بحدود الدعوى، والتدوين.  

الأصل في المحاكمة -على خلاف التحقيق الابتدائي- هو العلانية والاستثناء جعل الجلسات سرية، وهذا الأصل ليس مجرد سمة تميز مرحلة المحاكمة، ولكنه في المقام الأول ضمانة أساسية من ضمانات العدالة، ولهذا عنيت المواثيق الدولية بالنص على وجوب العلانية، وحرصت الدساتير على كفالتها بنصوص صريحة، ورددتها القوانين المختلفة، ومنها قانون السلطة القضائية وقانون الإجراءات الجنائية.

ويقصد بالعلانية  تمكين جمهور الناس،  بغير تمييز، من مشاهدة جلسات المحاكمة ومتابعة ما يدور فيها من مناقشات ومرافعات وما يتخذ فيها من إجراءات وما يصدر فيها من قرارات وأحكام، والغاية من تقرير العلانية هي بث الطمأنينة في نفوس الناس ودعم ثقتهم في عدالة القضاء والتزامه بأحكام القانون من جهة، وفرض رقابتهم على أجهزة القضاء من جهة أخرى، وفي ظلال العلانية يحس المتهم -والمدافع عنه- بالأمن فلا يجد حرجا من إبداء كل ما من شأنه درء التهمة عن نفسه، ولا يقتصر هذا الإحساس على المتهم وحده، بل يشمل كذلك الخصوم الآخرين، فضلا عن الشهود والخبراء. ومن شأن هذا كله حمل القضاة على الإجادة في عملهم، سواء عند تقديرهم للواقع أو عند تطبيقهم للقانون.

ومن أحكام محكمة النقض التي تناولت مبدأ علانية الجلسات، نورد هذه الفقرات التالية، ونبرز المبادئ المستقاة منها:

  1. المحكمة ليست ملزمة  بإجابة طلب الخصوم جعل الجلسة سرية:

“المحكمة ليست ملزمة بإجابة طلب الخصوم جعل الجلسة سرية إذا لم تر محلا لذلك ولا يترتب على رفضها هذا الطلب حرمان المتهم من تقديم البيانات التي يراها، لأنه لا مانع يمنعه من تقديمها في الجلسة العلنية شفهيا أو في مذكرة، فإذا هو لم يفعل فلا يلومن إلا نفسه”

(نقض 30/10/1933 المجموعة الرسمية 34 رقم 228 ص 468)

  1. التمسك بأن تصاريح دخول القاعة لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض:

“مادام الطاعن لم يتمسك أمام محكمة الموضوع بأن تصاريح دخول قاعة الجلسة إنما أعطيت لأشخاص معينين بالذات ومنعت عن آخرين، فإنه لا يسمع منه ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض”

(نقض 11/3/1952 مجموعة القواعد القانونية س 3 ص 562)

  1. عدم إلزام المحكمة بإجابة طلب جعل الجلسة سرية دون سبب يستوجب ذلك في القانون:

“ليست المحكمة ملزمة بإجابة طلب جعل الجلسة سرية مادام لم يكن هناك سبب يستوجب ذلك في القانون”

(نقض 28/4/1948 مجموعة القواعد القانونية ج 7 ق 590 ص 556)

  1. العلانية هي الأصل في المحاكمات وتجويز السرية وارد على خلاف الأصل:

“حضور المدعي مع محاميه جلسة المحاكمة السرية لا يبطل الإجراءات لأنه خصم في الدعوى ومن حقه أن لا يكتفي بحضور محاميه عنه وأن يشهد دعواه بنفسه، على أن العلانية هي الأصل في المحاكمات، والسرية تبطلها قانونا، وتجويز القانون لها مراعاة للنظام العام أو الآداب وارد على خلاف الأصل، وهو من حق القاضي وحده لا من حق خصوم الدعوى، وما كان لخصم أن يتظلم من قصور يزعم لحقه بتنفيذ حق من حقوق القاضي لا من حقوقه هو”

(نقض 9/1/1930 مجموعة القواعد القانونية ج 1 ق 370 ص 417)

  1. ليس بلازم أن يكون قرار جعل الجلسة سرية صادرا بحكم مستقل، لكن يجب إثباته في محضر الجلسة مع بيان أسبابه:

“ليس بلازم أن يكون القرار من المحكمة بجعل الجلسة سرية صادرا بحكم مستقل بل يكفي إثبات القرار في محضر الجلسة مع بيان أسبابه”

(نقض جلسة 3/6/1905 المجموعة الرسمية س 7 ق 13)

  1. في عدم إثبات علنية الجلسة بطلان جوهري:

“في عدم إثبات علنية الجلسة في محضرها بطلان جوهري مؤد إلى النقض ولا يكفي ذكر العلنية في الحكم”

(نقض جلسة 21/10/1903 المجموعة الرسمية س 5 ق 43)

ثالثا: في الاعتراف

الاعتراف هو أحد أهم الأدلة القضايا الجنائية، والاعتراف كما هو معلوم سيد الأدلة، لكن كونه كذلك لا يعني أخذه على إطلاقه، فقد يكون الاعتراف وليد إكراه، وقد يكون الاعتراف هدفا لإفلات الفاعل الحقيقي، كما قد يكون مخالفا للحقيقة والواقع والمنطق ومن ثم لا يجوز التعويل عليه في الإدانة.

والاعتراف في اللغة: اعترف بالشيء أقر به (المعاني الجامع).

الاعتراف وفقا لتعريف محكمة النقض: الاعتراف المعتبر في المواد الجنائية والذي يؤخذ به المتهم يجب أن يكون نصا في اقتراف الجريمة وان يكون من الصراحة والوضوح بحيث لا يحتمل تأويلا، وذلك كما يبينه هذا الحكم:

“فإن رضاء المطعون ضدها بتفتيش منزل الزوجية وقولها أنها مسئولة عن نتيجة التحليل ومستعدة للتنازل عن المضبوطات لا يتحقق به معنى الاعتراف ما دامت لم تقر على نفسها بصدور الواقعة الإجرامية عنها”

(الطعن رقم 5196 لسنة 57 ق جلسة 10/2/ 1988)

والاعتراف كما قد يكون سببا في العقاب، فإنه قد يكون سببا في البراءة، ذلك أنه في بعض الجرائم تشجيعا على الوصول للحقيقة لا يوقع عقاب على المعترف في بعض الجرائم كالرشوة مثلا، ولا يوجد شكل محدد للاعتراف طالما كان قاطعا في إبلاغ الحقيقة.

كما أن الدفع ببطلان الاعتراف دفع جوهري يكون عدم الرد عليه سببا لبطلان الحكم، ويجب أن يكون للمعترف الأهلية الإجرائية، وأن وتكون إرداته حرة مختارة عالمة بهذا الاعتراف.

ومن قضاء محكمة النقض المصرية في الاعتراف، نورد هذه الفقرات:  

  1. ينبغي في الاعتراف لكي يكون صحيحا أن يكون المتهم أدلى به وهو في كامل إرادته ووعيه:

من المقرر أنه ينبغي في الاعتراف لكي يكون صحيحا ويمكن الاستناد إليه كدليل في الحكم أن يكون المتهم أدلى به وهو في كامل إرادته ووعيه، فلا يجوز الاستناد إلى الاعتراف الذي يصدر من المتهم في حالة فقدان الإرادة، كما لو كان تحت تأثير مخدر أو عقار يسلبه إرادته”

(مجموعة الأحكام: س 48  ق 121 جلسة 21/7/1997 الطعن رقم 9367 لسنة 65 القضائية ص 786)

  1. اعتراف المتهم لا يصح التعويل عليه كدليل إثبات إلا إذا كان صادرا عن حرية:

أن اعتراف المتهم لا يصح التعويل عليه كدليل إثبات في الدعوى إلا إذا كان صادرا عن حرية. وإذن فمتى كان يبين من مطالعة الحكم المطعون فيه أنه عول فيما عول عليه في إدانة الطاعن على اعترافه في التحقيقات الأولية بمقارفة الجريمة، وكان يبن من محضر الجلسة أن الطاعن تمسك في دفاعه بأن الاعتراف المعزو إليه في التحقيقات كان وليد إكراه عليه، كما تمسك المدافع عنه في الجلسة بهذا الدفاع، متى كان ذلك وكانت المحكمة قد قضت بإدانة المتهم دون أن ترد على هذا الدفاع في حكمها فإنه يكون معيبا بما يستوجب نقضه”

(مجموعة الأحكام: س 5 ق 86 جلسة 18/1/1954 القضية رقم 2145 سنة 23 القضائية ص 259)

  1. الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره تحت تأثير التهديد أو الإكراه دفع جوهري:

من المقرر أن الاعتراف الذي يعول عليه يجب أن يكون اختياريا وهو لا يعتبر كذلك -ولو كان صادقا- إذا صدر أثر إكراه أو تهديد كائنا ما كان قدر هذا التهديد أو ذلك الإكراه، وكان من المقرر أن الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره تحت تأثير التهديد أو الإكراه هو دفع جوهري يجب على محكمة الموضوع مناقشته والرد عليه ما دام الحكم قد عول في قضائه بالإدانة على ذلك الاعتراف. لما كان ذلك، وكان الحكم قد خلا من بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بالنسبة إلى الطاعنين واكتفي في بيان الدليل بالإحالة إلى محضر ضبط الواقعة ومحضر التحريات دون أن يورد مضمونها ودون أن يبين وجه استدلاله بهما على ثبوت التهمة المسندة إلى كل متهم بعناصرها القانونية كافة، وكان يبين من محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية الأخيرة التي حجزت فيها الدعوى للحكم أن المدافع عن الطاعن الثاني دفع ببطلان الاعتراف المعزو إليه لصدوره تحت تأثير الإكراه في ظل تعذيب المتهم الأول (الطاعن الأول)، وكان الحكم المطعون فيه فوق ما تقدم قد اكتفي بالأخذ بأسباب الحكم الابتدائي -الذي عول في إدانة الطاعن الثاني على ما جهله في أقواله بمحضر الضبط- ولم يرد على هذا الدفاع الجوهري ويقل كلمته فيه، فإنه يكون معيبا بالقصور في التسبيب بما يوجب نقضه”

(مجموعة الأحكام: س 36 ق 51 جلسة 25/2/1985 الطعن رقم 256 لسنة 55 القضائية ص 300)

  1. يتعين على المحكمة أن تبحث للصلة بين اعتراف المتهمين والإصابات المقول بحصولها لإكراههم عليه ونفي قيامها في استدلال سائغ إن هي رأت التعويل على الدليل المستمد منه:

الاعتراف يجب ألا يعول عليه -ولو كان صادقا- متى كان وليد إكراه كائنا ما كان قدره، والأصل أنه يتعين على المحكمة أن تبحث للصلة بين اعتراف المتهمين والإصابات المقول بحصولها لإكراههم عليه ونفي قيامها في استدلال سائغ إن هي رأت التعويل على الدليل المستمد منه، وكان الحكم المطعون فيه قد أطرح الدفع ببطلان الاعتراف على النحو السابق ذكره بما لا يسوغ الرد عليه، ذلك بأن عدم ملاحظة وكيل النيابة المحقق وجود إصابات ظاهرة بالمتهمين، لا ينفي وجود إصابات بهم، كما أن حضور محامين مع المتهمين في تحقيق تجريه النيابة العامة لا ينفي وقوع التعذيب، وإذ ناظر القاضي الجزئي الطاعنين أثبت -حسبما سلف البيان- تعدد إصاباتهم وأنه ندب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي لبيان سبب هذه الإصابات، بيد أن قراره لم ينفذ، فإنه كان لزاما على المحكمة -قبل أن تقطع برأي في سلامة الاعتراف- أن تتولى بنفسها تحقيق ما أثاره الطاعنون في هذا الشأن، وأن تبحث الصلة بين الاعتراف وبين هذه الإصابات. أما وقد نكلت عن ذلك وعولت في إدانة الطاعنين على الدليل المستمد من اعترافهم، فإن حكمها يكون معيبا بالقصور والفساد في الاستدلال فضلا عن إخلاله بحق الدفاع، ولا يغني عن ذلك ما ذكرته المحكمة من أدلة أخرى، إذ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة بشد بعضها بعضا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة بحيث إذا سقط أحدها أو استبعد تعذر التعرف على الأثر الذي كان لهذا الدليل الباطل في الرأي الذي انتهت المحكمة إليه”

(مجموعة الأحكام: س31 ق 172 جلسة 15/10/1980 الطعن رقم 758 لسنة 50 القضائية ص 890)

رابعا: في التحريات

رغم أن القضاء وضع معاييرا شديدة لقبول التحريات منها مثلا أن التحريات منفردة لا تصلح دليلا للإدانة ما لم يعززها دليل آخر، فإنه قد تلاحظ في الآونة الأخيرة صدور أحكام -خاصة إذا كانت القضايا لها جوانب سياسية ترتكن في الأصل على تلك التحريات وحدها، ليدفع العديدون أجزاء من أعمارهم –بل وأعمارهم كلها في بعض الأحيان- ثمنا لتحريات ملفقة أو كيدية أو تمت برعونة أو بانتقام أو استجابة لرؤى سلطة تتعمد التنكيل بالذين يتخذون مواقفا لا تروق لها.

وتكريسا لحقوق الإنسان المصري باعتبار أن التحريات عمل قانوني يتصل بصلب العدالة فإنه يتعين على المشرع المصري وضع نصوص قانونية تستوجب محاسبة العناصر الموكل إليها القيام بالتحريات إذا ثبت أن تلك التحريات ملفقة وأنه بسببها قد أضير إنسان، ولا شك أن القواعد العامة في التزوير تنطبق على هذا النوع من التحريات لكن الأمر بحاجة إلى نص قانوني واضح وخاص.

ومن أحكام محكمة النقض المصرية فيما يتعلق بالتحريات، نورد الفقرات التالية:

  1. التحريات لا تصلح وحدها لتكون دليلا على الواقعة المراد إثباتها:

من المقرر أن التحريات لا تصلح وحدها لأن تكون دليلا بذاته أو قرينة بعينها على الواقعة المراد إثباتها

(مجموعة الأحكام: س 57 جلسة 20/12/2006 ق 121 الطعن رقم 79257 لسنة 75 القضائية ص1005)

  1. لما كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها بارتكاب الجريمة رأي محرر محضر التحريات، فإن تدليل الحكم يكون غير سائغ:

وإن كان الأصل أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة ما دامت أنها كانت مطروحة على بساط البحث، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون قرينة معينة أو دليلا أساسيا على ثبوت الجريمة ولما كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها بارتكاب الطاعنة لجريمة القتل بالسم رأي محرر محضر التحريات، فإن حكمها يكون قد بني على عقيدة حصلها الشاهد من تحرياته لا على عقيدة استقلت المحكمة بتحصيلها بنفسها، فإن تدليل الحكم يكون غير سائغ وقاصرا عن حمل قضائه بما يعيبه ويوجب نقضه”

(مجموعة الأحكام: س 57 جلسة 3/1/2006 ق 4 الطعن رقم 71915 لسنة 75 القضائية ص46)

  1. عدم التعرض للدفع ببطلان الإذن لابتنائه على تحريات غير جدية على الرغم من إقامة القضاء بالإدانة على الدليل المستمد مما أسفر عنه الإذن يعيب الحكم بالقصور:

وحيث إن البين من محضر جلسة المحاكمة المؤرخ 8 من يناير 2008 أن المدافع عن الطاعن دفع ببطلان الإذن لابتنائه على تحريات غير جدية. لما كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة -محكمة النقض– قد جرى على أنه ولئن كان من المقرر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لتسويغ إصدار الإذن بالتفتيش موكول إلى سلطة التحقيق التي أصدرته تحت رقابة محكمة الموضوع، إلا أنه إذا كان المتهم قد دفع ببطلان إذن النيابة العامة بالقبض والتفتيش فإنه يتعين على المحكمة أن تعرض لهذا الدفع الجوهري وتقول كلمتها فيه بأسباب سائغة وإذ كان الحكم المطعون فيه لم يعرض البتة لدفع الطاعن ببطلان إذن التفتيش لعدم جدية التحريات التي بني عليها على الرغم من أنه أقام قضاءه بالإدانة على الدليل المستمد مما أسفر عنه تنفيذ هذا الإذن فإنه يكون معيبا بالقصور بما يوجب نقضه والإعادة بغير حاجة إلى بحث باقي أوجه الطعن”

(الطعن رقم 2565 لسنة 78 قضائية جلسة 7/ 9/ 2008م غير منشور)

  1. إبطال إذن التفتيش تأسيسا على عدم جدية التحريات إذا كان مرجعه المقصود من التحري هو استنتاج سائغ:

“من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن تقدير جدية التحريات هو من الموضوع الذي يستقل به قاضيه بغير معقب ولما كان الحكم المطعون فيه أبطل إذن التفتيش تأسيسا على عدم جدية التحريات لما تبين من أن الضابط الذي استصدره لو كان جادا في تحريه عن المتهم لعرف حقيقة اسمه خاصة والمتهم معروف باسمه الحقيقي المسجل في ملفه بمكتب مكافحة المخدرات وسبق ضبطه في قضايا مماثلة فإن ما أنتهي إليه الحكم من بطلان إذن النيابة العامة بالتفتيش لعدم جدية التحريات لم يكن أساسه مجرد الخطأ في الاسم وإنما كان مرجعه المقصود من التحري بما يبطل الأمر بالتفتيش ويهدر الدليل الذي كشف عنه تنفيذه وهو استنتاج سائغ تملكه محكمة الموضوع”

(الطعن رقم 639 لسنه 48 ق جلسة 26/11/1987)

  1. إغفال مأمور الضبط القضائي تحديد ماهية النشاط المؤثم ينبئ عن عدم جدية التحريات:

“إغفال مأمور الضبط القضائي تحديد ماهية النشاط المؤثم ينبئ عن عدم جدية التحريات لذا يلتزم القائم بالتحري ببيان ماهية الواقعة المتحري عنها على وجه ينبئ عما تحويه من جريمة.

لما كان الحكم المطعون فيه قد قضي ببراءة المطعون ضده وبصحة الدفع ببطلان التفتيش قائلا في تسبيب قضائه ما نصه: وإذا كان ما تضمنه المحضر بطلب الإذن بالتفتيش لم يشتمل على الدلائل والأمارات ما يقنع المحكمة بجدية الاستدلالات التي بني عليها إذن التفتيش أو كفايتها لتسويغ إصداره وآية ذلك ما قرره مستصدر الإذن بالتحقيقات من أن المدمنين يترددون عليه لتعاطيها في الوقت الذي لم يذكر شيئا عن ذلك في محضره مكتفيا بإطلاق اسم المادة التي زعم أن المتهم يتجر فيها وهي من المواد المحددة دون ترخيص أو تحديد الفرق بين الإتجار في المواد المخدرة وإعطاء حقنه ألديسكافيتامين واضح وبين ولو صح ما زعمه الضابط بشان تحرياته لأثبتها في محضره وهو الأمر الذي يشكك المحكمة في صحة قيام هذه التحريات ويجردها من صفة الجدية ولا يقدح في ذلك أن سلطة التحقيق صاحبه الحق في إصدار الأمر بالتفتيش قد قررت جدية تلك التحريات إذ أن ذلك خاضع لرقابه محكمة الموضوع”

(الطعن رقم 1951 لسنه 48 ق جلسة 15/ 3 /1998)

  1. اختلاف الثابت بمحضر التحريات عما تم ضبطه قصور في التحري يفقد محضر التحري أحد العناصر الموضوعية  اللازمة لوجوده وصحته:

“التزام مأمور الضبط القضائي ببيان ماهية النشاط المؤثم تحديدا اختلاف نوع المادة المخدرة المضبوطة عما ورد بمحضر التحريات ينبني عن عدم جدية التحريات – التحري هو محاكاة للواقع، اختلاف الثابت بمحضر التحريات عما تم ضبطه قصور في التحري يفقد محضر التحري أحد العناصر الموضوعية  اللازمة لوجوده وصحته.

من حيث أن البين من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن المتهم تمسك ببطلان إذن التفتيش لعدم جدية التحريات لاختلاف المادة المخدرة المضبوطة –حشيش– عن المادة الثابتة بنوعها بمحضر التحريات إذ الثابت قانونا أن التحري هو تنقيب عن جريمة ارتكبت أو ترتكب فهي ثابتة واقعا بنوعها”

(الطعن رقم 9325 لسنه 52 ق جلسة 24/11/1995)

  1. إطلاق القول بحصول جريمة دون بيان ماهيتها وكيفية وقوعها لا يصح معه القول بجدية التحري:

“تقدير النيابة العامة لجدية التحريات يجب أن يستند إلى أساس موضوعي قوامه مدي دقه القائم بالتحري في الإلمام بعناصر الجريمة محل التحري- تقدير محكمة الموضوع لجدية التحريات يجب أن يستند إلى أساس موضوعي قوامة مدي دقة القائم بالتحري في الإلمام بماديات الفعل المؤثم جنائي – إطلاق القول بحصول جريمة دون بيان ماهيتها وكيفية وقوعها لا يصح معه القول بجدية التحري”

(الطعن رقم1951 لسنه 48 ق جلسة 15/ 3 /1998)

  1. بيان الصلة بين الجريمة المرتكبة وشخص المعني بالتحريات أحد أهم العناصر الموضوعية لمحضر التحريات:

“بيان الصلة بين الجريمة المرتكبة وشخص المعني بالتحريات أحد أهم العناصر الموضوعية لمحضر التحريات، أساس الصلة بين الجريمة المرتكبة وشخص المعني التحريات ما توافر في حقه من أمارات وقرائن وشبهات مقبولة تفيد صلته بالجريمة المرتكبة.

الأصل في القانون أن الإذن بالتفتيش هو أحد إجراءات التحقيق ولا يصح إصداره إلا لضبط جريمة –جناية أو جنحة– واقعة بالفعل وترجحت نسبتها إلى متهم معين وان هناك من الدلائل والأمارات والقرائن ما يكفي للتصدي لحرمة مسكنه أو لحريته الشخصية”

(الطعن رقم 2945 لسنه 61 ق 19/1/1993)

  1. انتفاء القرائن والأمارات ينبئ عن انعدام الصلة بين الجريمة الواقعة والشخص المتحرى عنه:

“الحرية الشخصية مصونة لا تمس وللمساكن حرمة، توافر أمارات ودلائل وقرائن ضد شخص المتحرى عنه على ارتكابه الجريمة أو مساهمته فيها المبرر القانوني للتصدي لحريته ولحرمه مسكنه، انتفاء القرائن والأمارات ينبئ عن انعدام الصلة بين الجريمة الواقعة والشخص المتحرى عنه.

من المقرر أن كل ما يشترط لصحة التفتيش الذي تجريه النيابة العامة أو تأذن به هو أن يكون رجل الضبط القضائي قد علم من استدلالاته أن جريمة معينه قد وقعت من شخص معين وأن يكون هناك من الدلائل الكافية والأمارات ما يبرر تعرض التحقيق لحريته أو لحرمة مسكنه”

(الطعن رقم 959 لسنه 47 ق جلسة 6/2/1997)

  1. إذا انتفت هذه الأمارات والدلائل ضد المتحرى عنه يبطل الإذن لبطلان محضر التحريات:

“التزام محكمة الموضوع بالتعرض أو لا للتحرى وعناصره ومنها مدي توافر الأمارات والدلائل ضد المتحرى عنه. فإذا انتفت هذه الأمارات والدلائل لا يجوز إصدار الإذن بالتفتيش وبالتالي يبطل الإذن لبطلان محضر التحريات كعمل قانوني.

لا يصح أن يتخذ ضبط المخدر دليل على جدية التحريات السابقة على الإذن فيتعين على محكمة الموضوع أن تبحث عناصر التحري السابقة أولا ومنها توافر الدلائل والأمارات ضد المتحري عنه وان تقول كلمتها في كفايتها وجديتها ببيان الصلة القائمة بين شخص المتحرى عنه والجريمة المرتكبة”

(الطعن رقم 3403 لسنه 62 جلسة 19/4/1994)

القسم الثاني: حرية النشر

حرية التعبير هي الضحية الأولى لأي سلطة مستبدة أو رجعية، وهي تتسم من ضمن ما تتسم أنها عرضة للخطر، ففي فترات المد اليميني تزداد التعديات على هذه الحرية، ومما يسهل التعدي على حرية التعبير، وجود نصوص قانونية فضفاضة تجعل القانون شباكا وشراكا لممارسي حقهم في حرية التعبير، ورغم أن الدستور المصري الصادر في 2014 قد كفل في مادته الخامسة والستين، لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر، إلا أن القوانين المصرية ما زالت مليئة بالنصوص المقيدة لحرية التعبير (راجع في ذلك دراسة صادرة عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بعنوان: المواد المقيدة لحرية التعبير بالقوانين المصرية: تعديلات مقترحة)، ولا نجد ما نستهل به هذا الفصل خيرا من السطور التالية التي سطرتها المحكمة الدستورية العليا في معرض حديثها عن حرية التعبير:

“ضمان الدستور القائم -بنص المادة 47 التي رددت ما اجتمعت عليه الدساتير المقارنة- لحرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو بالتصوير أو بطباعتها أو بتدوينها وغير ذلك من وسائل التعبير، قد تقرر بوصفها الحرية الأصل التي لا يتم الحوار المفتوح إلا في نطاقها، ذلك أن ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير -وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة- هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها غير منحصر في مصادر بذواتها تحد من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، سعيا لتعدد الآراء، ومحورا لكل اتجاه، بل أن حرية التعبير أبلغ ما تكون أثرا في مجال اتصالها بالشئون العامة، وعرض أوضاعها تبيانا لنواحي التقصير فيها، فقد أراد الدستور بضمانها أن تهيمن على مظاهر الحياة في أعماق منابتها، بما يحول بين السلطة وفض وصايتها على العقل العام، وألا تكون معاييرها مرجعا لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه ولا عائقا دون تدفقها، ومن ثم لم يعد جائزا تقييد حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتولد عنها بأغلال تعوق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها، إذ يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها -وعلانية- تلك الأفكار التي تجول في عقولهم ويطرحونها عزما -ولو عارضتها السلطة العامة- إحداثا من جانبهم -وبالوسائل السلمية- لتغيير قد يكون مطلوبا، ومن ثم وجب القول بأن حرية التعبير التي كفلها الدستور هي القاعدة في كل تنظيم ديمقراطي، فلا يقوم إلا بها، ولا ينهض مستويا إلا عليها؛ وما الحق في الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة، الحريصين على متابعة جوانبها، وتقرير موقفهم من سلبياتها إلا فرع من حرية التعبير ونتاج لها، وهي التي ترتد في حقيقتها إلى الحرية الأم وهي الحرية الشخصية التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله؛ ومن أجل هذا جعلها الدستور مصونة فلا تمس”

(المحكمة الدستورية العليا: القضية رقم 25 لسنة 22 قضائية دستورية جلسة 5/5/2001)

أولا: حماية العمل الصحفي والتحرير الصحفي

بصدور حكم المحكمة الدستورية العليا في 3/6/2017 والذي قضي بعدم دستورية نص المادة 52 من قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996 فيما تضمنه من اشتراط تأسيس شركات مساهمة للحصول على تراخيص بإصدار الصحف، كون هذه المادة تخالف المادة 70 من دستور 2014 والتي جاء نصها على أن تصدر الصحف بمجرد الإخطار على النحو الذي ينظمه القانون، فإنه وفقا لهذا الحكم أصبح إصدار الصحف يتم بمجرد الإخطار، احتراما للنص الدستوري وهو النص الأعلى في الترتيب القانوني.

ولا يشترط القيد في نقابة الصحفيين قبل العمل الصحفي بل إن العمل الصحفي هو الذي يسبق القيد في نقابة الصحفيين وفقا للقانون، حيث يعد شرطا لازما للقيد في نقابة الصحفيين.

وقد قررت فتوى لقسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المصري، أن من يعمل بصحيفة قد يكون صحفيا أو محررا صحفيا حيث جاء نص الفتوى على النحو التالي:

أما مزاولة التحرير في الصحف فتؤدي إلى اعتبار صاحبها محررا أو صحفيا ولا تؤدى إلى اعتبار مزاولها مؤلفا بالمعنى المقصود من هذا اللفظ”

(فتوى رقم 457  في 9/2/1950 -المكتب الفني- مجموعة مجلس الدولة لفتاوى قسم الرأي – السنتين الرابعة والخامسة – أكتوبر 1949 – سبتمبر 1951 – صـ 815)

ومن أحكام محكمة النقض التي تصدت للدفاع عن حرية العمل الصحفي، ووضحت اشتراطات معينة لمحاكمة الصحفيين، نورد ما يلي:

1-  ما لم تنعقد الخصومة بالطريق الذي رسمه القانون فإن الدعويين الجنائية والمدنية لا تكونان مقبولتين من المدعي بالحقوق المدنية:

الدعوى الجنائية التي ترفع مباشرة من المدعي بالحقوق المدنية ودعواه المدنية التابعة لها المؤسسة على الضرر الذي يدعي أنه لحقه من الجريمة لا تنعقد الخصومة بينه وبين المتهم – وهو المدعى عليه فيهما – إلا عن طريق تكليفه بالحضور أمام المحكمة تكليفا صحيحا وما لم تنعقد هذه الخصومة بالطريق الذي رسمه القانون فإن الدعويين الجنائية والمدنية لا تكونان مقبولتين من المدعي بالحقوق المدنية بالجلسة”

(السنة 16 – صـ 45 جلسة 11 من يناير سنة 1965 الطعن رقم 1601 لسنة 34 القضائية)

2- عدم قبول الدعوى إذا أعلنت صحيفتها للمتهم بالمخالفة لنص المادة 3 إجراءات:

“لما كان الثابت من صحيفة الدعوى المباشرة قد أعلنت بتاريخ أول أبريل سنة 1970 إلى المتهم أي بعد الثلاثة أشهر المنصوص عليها في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية من تاريخ علم المستأنف ضده (المجنى عليه) بالجريمة ومرتكبها فإن الدفع بعدم قبولها يكون على أساس صحيح”

(مجموعة الأحكام: س3 – جلسة 12 من مارس سنة 1979 الطعن رقم 995 لسنة 47 القضائية صـ 338)

3- للصحافة الحرية في نقد التصرفات الحكومية:

“إن للصحافة الحرية في نقد التصرفات الحكومية وإظهار قرائها على ما يقع من الخطأ في سير المضطلعين بأعباء الأمر وإبداء رأيها في كل ما يلابس الأحوال العامة. ولكن ليس لها الخروج عن دائرة النقد الذي يبيحه القانون -مهما أغلظ الناقد فيه- إلى دائرة القذف القائم على إسناد وقائع شائنة معينة،والذي أوجب القانون العقاب عليه إلا في أحوال استثنائية اقتضتها المصلحة العامة وبشروط مخصوصة”

(مجموعة عمر عمر: جلسة 10/4/1930 ق 20 القضية رقم 626 سنة 47 القضائية الجزء الثاني (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 و31 أكتوبر سنة 1932 – صـ 9)

ومن أحكام المحكمة الإدارية العليا، التي تعرضت لتعريف الصحفي:

1- الصحفي هو من يحترف مهنة الصحافة:

الصحفي هو من يحترف مهنة الصحافة. المقصود بالاحتراف هو أن يتقاضى الصحفي من مهنته أجرا يستمد منه الجزء الأكبر اللازم لمعيشته”

(الإدارية العليا: س 32 ج 1 جلسة 30/11/1986 الطعن رقم 907، 957 ، 983 لسنة 31 ق)

ومن أحكام المحكمة الدستورية العليا، التي تحدثت عن حرية الصحافة، نورد هذا الحكم:

“… واعتبارها سلطة شعبية، وما أدى إليه ذلك من إعلاء حرية الصحافة والرأي والكلمة، وحظر الرقابة على الصحف، وحظر مصادرتها أو تعطيلها أو إلغاء ترخيصها بالطريق الإداري. ذلك أن مقتضى هذا التطور هو تحرير الصحافة من أية عوائق إدارية كانت تحول دون حرية تداولها، وتضمنتها التشريعات السابقة عليه، ونسخها بمقتضى أحكامه تبعا لذلك، على نحو يتعذر معه إخضاعها مجددا للقيود الواردة في نص المادة (9) المطعون عليها من القانون رقم 20 لسنة 1936 بشأن المطبوعات.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة، وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها، وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة”

(المحكمة الدستورية العليا: القضية 253 لسنة 25 قضائية دستورية جلسة 3/6/2012)

ثانيا: فيما يتعلق بنشر الأخبار الكاذبة

تستخدم المادة 102 مكرر بكثرة في مواجهة المختلفين سياسيا مع النظم الحاكم، وتنضم هذه المادة في التطبيق بجانب مواد أخري في قانون العقوبات لتشكل منظومة قانونية متكاملة لفرض قيود على حرية التعبير، خاصة في مجتمع تنعدم فيه الشفافية ويفتقد إلى قانون ينظم حرية تداول المعلومات، ويصبح العمل الصحفي في جانب منة مستهدفا أكثر من غيره بسبب تطبيق هذه المادة.

فضلا عن أن المادة 188 عقوبات تتشابه إلى حد كبير مع ما ورد بالفقرة الأولى من المادة 102 مكرر من قانون العقوبات وهو تكرار لم يكن المشرع بحاجة إليه، لكنها الرغبة في وضع المزيد من القيود.

وقد جاءت الاجتهادات القضائية لمحكمة النقض مخففة من وقع آثارها  فعبء إثبات أن الأخبار كاذبة يقع على النيابة العامة وليس على المتهم.

ومن أحكام محكمة النقض التي تناولت نشر الأخبار الكاذبة، نستعرض الأحكام التالية:

1- إذا لم يبين الحكم الأدلة على علم الطاعن بكذب الخبر، فإنه يكون مخطئا في القانون:

“حيث إن مبنى الطاعن هو أن الحكم المطعون فيه جاء قاصرا مخطئا في القانون – إذ لم يبين الأدلة على علم الطاعن بكذب الخبر، بل أخذ من عجزه عن إثبات صحة ما نشر ما يقوم مقام علمه بكذبه، وألقى بذلك عبء الإثبات عليه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه حين دان الطاعن بجريمة نشر أخبار كاذبة مع سوء القصد قد قال “إن المتهم لم يقدم في التحقيق ولا أمام المحكمة ما يثبت صحة النبأ الذي نشره في جريدته مع تسليمه بأنه نبأ خطر، وكان يجب عليه أن يكون لديه الدليل على صحته ولو بشهادة الشهود، وقد أجلت القضية بناء على طلبه بضم تحقيقات يرشد عنها قامت بها النيابة بشأن استعمال أسلحة وكرابيج في الجامعة قبل اليوم السابق على تاريخ نشر هذا النبأ إلا أن المتهم لم يرشد عن هذه التحقيقات وجاء بجلسة اليوم صفر اليدين من أي دليل مؤيد لصحة النبأ الذي نشره” ولما كان ذلك، وكانت المحكمة لم تورد شيئا عن كذب الخبر في ذاته، وعن علم الطاعن بكذبه، وكان يجب لتطبيق المادة 188 من قانون العقوبات الخاصة بنشر الأخبار الكاذبة مع سوء القصد أن يكون الخبر كاذبا، وأن يكون ناشره عالما بهذا الكذب ومتعمدا نشر ما هو مكذوب. لما كان ما تقدم فإن الحكم إذ لم يستظهر في واقعة الدعوى عناصر الجريمة التي دان الطاعن بها على هذا الوجه يكون قاصر البيان متعينا نقضه”

(نقض جلسة 20/5/1952 س3 ق 366 ص 982 لقضية رقم 451 سنة 22 القضائية)

كما أننا نورد هذا الحكم، من قضاء محكمة جنح بولاق أبو العلا في القضية التي عرفت إعلاميا بقضية “صحة الرئيس” ضد الصحفي إبراهيم عيسى. إذ قررت المحكمة أنه لا يجوز تطبيق نصي المادتين 188 عقوبات والمادة 102 مكرر معا:

“وحيث أنه لما كان نص المادة 102 مكرر فقرة أولى عقوبات قد جرى على أن يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين جنيها ولا تتجاوز مائتي جنيه كل من أذاع عمدا أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة إذا كان من شان ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، ونصت المادة 188 من ذات القانون على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة ألاف جنيه ولا تزيد عن عشرين إلف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من نشر بسوء قصد بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو أوراقا مصطنعة أو مزورة أو منسوبة كذبا إلى الغير إذا كان من شان ذلك تكدير السلم العام وإثارة الفزع بين الناس وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة.

ولما كان البادي من مطالعة وتفسير نص كل من المادتين سالفتي الذكر أن المادة 188 عقوبات تكاد تطابق الفقرة الأولى من نص المادة 102 مكرر عقوبات ، إذا أن كلمة أذاع الواردة بنص المادة 102 مكرر تعنى إعلام الناس بدون تمييز وبالتالي فهي تستوعب جميع وسائل العلانية بما فيها النشر وهي الوسيلة التي وردت بنص المادة 188، كما أن عدم ذكر الأوراق المصطنعة أو المزوه تدخل في مدلول البيانات غير المطابقة للحقيقة والفرق بين النصين يتمثل في أن المادة 188 تواجه حالة نشر الأوراق المنسوبة كذبا إلى الغير، الأمر الذي يمكن معه القول بان هناك تكرارا للجريمة وتنازعا ظاهريا بين النصين يستوجب على المحكمة تطبيق احدهما واستبعاد الأخر”

(حكم محكمة جنح بولاق أبو العلا في القضية رقم 12663 لسنة 2007 جنح بولاق أبو العلا الجزئية)

ثالثا: فيما يتعلق بإهانة رئيس الجمهورية

إهانة رئيس الجمهورية اتهام ينال في الأصل من حق النقد وحرية التعبير، فضلا عن أنه لا يتماشى مع النصوص الدستورية التي أعلت من هذا الحق، والإبقاء على رئيس الجمهورية محصنا من توجيه النقد، بموجب هذه المادة، هو بالقطع مخالف للدستور، ذلك أن تعبير “إهانة” تعبير شديد الغموض ويحمل تأويلات متعددة تضع من يقع تحت طائلة هذه المادة إلى اجتهادات قضائية غالبا ما تتوسع في معني الإهانة، وهو ما يخالف مبدأ الشرعية الجنائية الذي يشترط في النصوص العقابية أن تكون منضبطة وذلك لتعلقها بالحق في الحرية وخطورتها عليه.

لا خلاف على أن التعديل الذي طرأ على هذه المادة بموجب القانون رقم 77 لسنة 2013 والذي جعل العقوبة في هذه المادة غرامة حدها الأدنى 10 آلاف جنيه  وحدها الأقصى30 ألف جنيه، وإن كان محمودا لإلغائه الحبس، إلا أنه يبقي في النهاية على نص يتسم بالغموض، فضلا عن أنه لم تكن هناك حاجة للنص عليها ولإفراد مادة عقابية خاصة بها ذلك مادة القذف التي تخص الموظف العام كافية في ذاتها إذا انطبقت شروطها وتحققت أركانها، وربما كانت الرخص التي تمنحها تلك المادة إلى المتهم -وهي حقه في إثبات صحة ما نشره أو ذكره- هي السبب المانع من عدم الاكتفاء بها وإفراد مادة خاصة برئيس الجمهورية.

فضلا عما هو معلوم من أن هذه المادة يجري التوسع في استخدامها للتنكيل بمعارضي رئيس الجمهورية.

وفي ظل استخدام هذه المادة بكثرة في الآونة الأخيرة، فإننا نورد هذه الفقرة من أحكام محكمة النقض التي تناولت هذا الاتهام:

  1. إذا كان النقد عن واقعة عامة تهم الجمهور وتتلاءم وظروف الحال وكان هدفها الصالح العام فلا توجد جريمة:

“النقد المباح هو إبداء الرأي في أمر أو عمل دون مساس بشخص صاحب الأمر أو العمل بنية التشهير أو الحط من كرامته. فإذا كان النقد عن واقعة عامة تهم الجمهور وتتلاءم وظروف الحال وكان هدفها الصالح العام فلا توجد جريمة”

(الطعن رقم لسنة 35 ق جلسة 2/11 /1965 السنة 16 ص 787)

رابعا: فيما يتعلق بازدراء الأديان

جاء النص العقابي المتعلق بازدراء الأديان في المادة (98/ و) بعد تعديله بموجب القانون رقم 147 لسنة 2006، والذي جري على النحو التالي:

“يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيها ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء احد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية”

والبين من قراءة النص أن عبارة “أو ازدراء أحد الأديان السماوية”، هي شديدة العمومية والغموض وتفتح أبوابا لملاحقة أصحاب الآراء، وذلك بسبب ترك سلطة تقديرية واسعة للقاضي ليقرر ما يعد ازدراء وما لا يعد كذلك، وهو ما يترك المجال مفتوحا لعقيدة القاضي الشخصية للحكم على الأمور المعروضة بين يديه.

وحول التعبيرات الفضفاضة في النصوص العقابية تقرر المحكمة الدستورية العليا أن:

“الأصل في النصوص العقابية هو أن تصاغ في حدود ضيقة لضمان أن يكون تطبيقها محكما فقد صار من المحتم أن يكون تمييعها محظورا. ذلك أن عموم عباراتها و اتساع قوالبها قد يصرفها إلى غير المقصود منها. فيتعين أن يكون النص العقابي حادا قاطعا لا يؤذن بتداخل معانيه كي لا تنداح دائرة التجريم، وتظل دوما في إطار الدائرة التي يكفل الدستور في نطاقها قواعد الحرية المنظمة”

(حكم المحكمة الدستورية العليا جلسة 12 فبراير 1994 القضية 105 لسنة 12 قضائية دستورية  مجموعة أحكام المحكمة الدستورية الجزء 6 ص 154)

كما قررت أن:

“وإن النص العقابي يكون غامضا إذا كان منفلتا من ضوابطه، متعددة تأويلاته، فلا تكون الأفعال التي منعها المشرع أو طلبها محددة بصورة يقينية، بل شباكا أو شراكا يلقيها المشرع متصيدا باتساعها أو خفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها”

(القضية رقم 24 لسنة 48 قضائية دستورية الجريدة الدستورية 39 في 25/9/1997)

ومن الأحكام التي تعرضت لهذه المسألة نورد ما يلي:

  1. يجب أن تتوافر لدى المتهم إرادة تحقيق واقعة غير مشروعة من المنصوص عليها في المادة 98 و:

“لما كانت جريمة جريمة استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة المنصوص عليها في المادة 98 (و) من قانون العقوبات تتطلب لتوافرها ركنا ماديا هو الترويج أو التحبيذ بأية وسيلة لأفكار متطرفة تحت ستار مموه أو مضلل من الدين، وآخر معنويا بأن تتجه إرادة الجاني لا إلى مباشرة النشاط الإجرامي -وهو الترويج أو التحبيذ- فحسب، وإنما يجب أن تتوافر لديه أيضا إرادة تحقيق واقعة غير مشروعة وهي إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي، وكان الحكم الابتدائي الغيابي بعد أن أورد وصف النيابة للتهمة بأن الطاعن “استغل الدين في الترويج باستعمال أفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي” وطلبها عقابه بالمادة 98 (و) من قانون العقوبات استطرد من ذلك مباشرة إلى القول “وحيث أن التهمة ثابتة قبل المتهم قانونا وكافيا وتتوافر الأركان أخذا بالثابت بالأوراق التي تطمئن إليها المحكمة ويتعين عقابه عملا بمواد الاتهام بالمادة 304/ 2 إجراءات جنائية”، ثم قضى الحكم الصادر في المعارضة الابتدائية -الحكم المطعون فيه- بتأييد الحكم الابتدائي الغيابي لأسبابه وأضاف قوله أن المحكمة تضيف لأسباب الحكم المعارض فيه أن التهمة تعد ثابتة في حق المتهم أخذا من أقوال المجنى عليه ……………… بأن المتهم أحدث بشفرة حلاقة بيده اليمنى علامة على شكل صليب وذكر له أنه سيحدث بالكهرباء أخرى مماثلة ووعده بإعطائه نقودا إن هو اعتنق المسيحية ومن قول والد المجنى عليه بأن المتهم هو الذي أحدث العلامة بيد ابنه ثم استطرد من ذلك إلى قوله. ومن جماع تلك الأقوال وإلى أقوال المدعو …………………… بمحضر الضبط ترى أن التهمة ثابتة في حق المتهم ركنا ودليلا -وإذ كان هذا الذي أجمله الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه على المساق المتقدم لا يكفي بيانا للواقعة وتدليلا عليها على النحو الذي يتطلبه القانون، ذلك أنه اكتفي بسرد أقوال المجنى عليه ووالده ولم يوضح مدى مطابقتهما للأهداف المؤثمة في القانون ولم يبين من واقع هذه الأقوال الترويج -بأي طريقة من الطرق- للأفكار المتطرفة ولا أبان ماهية تلك الأفكار التي دان الطاعن بالترويج لها ولا كذلك استظهر كيف أن القصد منها كان إثارة الفتنة والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي  فإنه يكون قاصرا عن استظهار العناصر المكونة للجريمة التي دان الطاعن بها عمادا لقضائه ارتكن إلى أقوال الشاهد ……….. ولم يورد فحواها ولا أبان وجه اعتماده عليها مما يعيبه بالقصور لهذا السبب كذلك”

(طعن 41774 لسنة 59 ق جلسة 07-01-1996)

القسم الثالث: حريات وحقوق عمالية

نص الدستور المصري على عدة مواد تضمن الحقوق العمالية المختلفة، كما أن مصر قد صدقت على عدد من المواثيق الدولية التي تضمن حقوق العمال، إلا أنه في ظل انحياز السلطة لأصحاب العمال، بدعوى تشجيع الاستثمار، يتم التغول على هذه الحقوق، وفي هذا القسم، نستعرض عددا من أحكام القضاء التي انتصرت للدستور والقانون لتحمي حقوق العمال، وتدافع عنهم في مواجهة عسف السلطة وتعسف أصحاب الأعمال.

أولا: الحق في الإضراب عن العمل

أضافت المحكمة الإدارية العليا مؤخرا،في حكمها الصادر في 17/6/2017 في القضية رقم 27047 لسنة 61 ق، حكما هاما ينضم لقائمة الأحكام القضائية التي انحازت للعمال وحمت حقهم الدستوري في الإضراب، حيث قررت مشروعية هذا الحق انتصارا للنص الدستوري الوارد في دستور 2014 وهي بذلك قد تجاوزت اجتهادات سابقة لذات المحكمة لم تؤيد هذا الحق إلا بشكل متردد أخذا بعدم صدور قانونا ينظمه.

وقرر الحكم سالف الإشارة، عددا من المبادئ الهامة منها ما يلي:

1- ومن حيث إنه بخصوص التطور التشريعي والقضائي حيال حق الإضراب فإنه بالنسبة للعاملين بالمرافق العامة لم يكن إضراب العاملين في المرافق العامة معاقبا عليه جنائيا في مصر حتى عام 1923 اكتفاء بالعقوبات التأديبية التي يمكن توقيعها على العاملين المضربين بسبب الامتناع عن أداء العمل أيا كانت طبيعة هذا الامتناع، والتي قد تصل إلى حد العزل من الوظيفة لأن مثل هذا الامتناع يشكل مخالفة للقواعد التي تحكم الوظيفة العامة ولما ظهرت مخاطر حركات العمال العنيفة، وجد المشرع أن الجزاءات التأديبية غير رادعة، وأنه لا بد من وضع عقوبات جنائية تضمن استمرار المرفق في أداء خدماته للجمهور ولهذا أدخل تعديلات على قانون العقوبات الصادر سنة 1904 وذلك بمقتضى القانون رقم 37 لسنة 1923 وهذه المواد هي المادة 108 مكرر والخاصة بإضراب الموظفين والمستخدمين العموميين والمادة 327 مكرر والخاصة بإضراب العاملين في مرافق تدار عن طريق الامتياز وظل هذا القانون ساريا حتى سنة 1946 عندما تدخل المشرع بتشديد العقوبات القديمة بمقتضى المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1946 ثم بالقانون رقم 24 لسنة 1951 ثم بالقانون رقم 29 لسنة 1982 بحيث أصبح الإضراب محظورا على كافة العاملين في جميع المرافق العامة أيا كان أسلوب إدارتها سواء التي تدار بالطريق المباشر أو التي تدار بالطريق غير المباشر عن طريق الامتياز ، وفي ظل وجود النصوص الواردة بقانون العقوبات والمتعلقة بتجريم الإضراب انضمت مصر إلى الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966 وقد وقعت مصر على هذه الاتفاقية في الرابع من أغسطس عام 1967 وقد تحفظت الحكومة المصرية في وثيقة التصديق تحفظا عاما هو الأخذ في الاعتبار أحكام الشريعة الإسلامية وعدم تعارض الاتفاقية معها، وبتاريخ 1/10/1981 أصدر رئيس الجمهورية القرار رقم 537 لسنة 1981 بشأن الموافقة على تلك الاتفاقية مع الأخذ في الاعتبار أحكام الشريعة الإسلامية وعدم تعارضها معها، ثم أصدر وزير الخارجية قرارا بنشر هذه الاتفاقية في الجريدة الرسمية، وبتاريخ 8/4/1982 تم نشرها في الجريدة الرسمية بالعدد الرابع عشر، على أن يعمل بها اعتبارا من تاريخ 14/4/1982 ومنذ هذا التاريخ وهذه الاتفاقية أصبح لها قوة القانون تطبيقا لنص المادة 151 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر في سنة 1971 والتي نصت على أن رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان، وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقا للأوضاع المقررة، وقد أكدت الاتفاقية سالفة الذكر في المادة الثامنة منها على أن تتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية بأن تكفل الحق في الإضراب على أن يمارس طبقا لقوانين الدولة المختصة.

2- ونخلص مما تقدم أن هذه الاتفاقية قد أباحت الإضراب ولا تستطيع مصر بعد أن صدقت عليها، أن تحظر الإضراب بشكل مطلق مع مراعاة أن الاتفاقية لم تفرق في نطاق مشروعية الإضراب بين عمال المرافق العامة وعمال القطاع الخاص وكل ما تستطيعه مصر هو تنظيم هذا الحق بعد أن أصبحت الاتفاقية جزءا من التشريعات المصرية فإذا تعارضت مع قانون سابق فإنها تلغى هذا القانون السابق إلغاءا ضمنيا، ومن هنا فإن أحكام الإضراب الواردة في قانون العقوبات قد ألغيت ضمنا اعتبارا من نفاذ هذه الاتفاقية، وبذلك أصبح الإضراب مشروعا في مصر.

3- وفي فتوى هامة للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع حول مدى مشروعية قرار الجمعية العمومية لنقابة الأطباء بالإضراب الجزئي المفتوح للأطباء العاملين بالمنشآت التابعة لوزارة الصحة وبيان الجهة التي يلتزم الطبيب بتنفيذ أوامرها هل جهة العمل أم النقابة وسلطة كل جهة في إحالة الطبيب إلى التحقيق والمساءلة التأديبية وقد انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى:
أولا: الاعتراف بالإضراب كحق كفلته الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووقعت عليها جمهورية مصر العربية، وتم التصديق عليها بتاريخ 9/12/1981.
ثانيا: إزاء حالة الفراغ التشريعي في شأن تنظيم ممارسة الحق في الإضراب للموظفين العموميين فإن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع تهيب بالمشرع التدخل لتنظيم ممارسة هذا الحق بالنسبة لهم طبقا لأحكام الاتفاقية المنوه عنها لاسيما في المرافق العامة التي تقدم خدمات حيوية للمواطنين.
ثالثا: وجوب ممارسة الحق في الإضراب طبقا لأحكام هذه الاتفاقية لاسيما بالنسبة للعاملين بالمرافق العامة دون تعسف، وبمراعاة مقتضيات النظام العام والاحتياجات الأساسية للدولة ولمواطنيها وانتظام سير مرافقها العامة.
رابعا: وجوب قيام السلطة المختصة في المرافق العامة وبصفة خاصة المرافق التي تقدم خدمات حيوية للمواطنين بوضع القواعد اللازمة لممارسة الحق في الإضراب للعاملين بتلك المرافق تحت رقابة القضاء نزولا على ضرورات سير المرافق العامة بانتظام واطراد.
خامسا: مجاوزة قرار الجمعية العمومية الطارئة لنقابة الأطباء في الحالة المعروضة للحدود المشروعة لممارسة حق الإضراب؛ ومخالفته للطبيعة القانونية للنقابات المهنية.
سادسا: عدم جواز إلزام الأطباء بقرار الجمعية العمومية غير العادية للنقابة في الحالة المعروضة، مع عدم الإخلال بحق جهة العمل في مساءلتهم تأديبيا في المستقبل في حالة تجاوز الضوابط المقررة لممارسة الحق في الإضراب طبقا لما كشف عنه هذا الإفتاء، وذلك كله على النحو المبين بالأسباب.
(فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع رقم 895 في9/12/2012 ملف رقم86/6/681 جلسة 3/10/2012)  

4- وتأييدا للاعتراف بالحق في الإضراب السلمي فقد نصت المادة 64 من دستور سنة 2012 وكذلك المادة 15 من دستور سنة 2014 على أن الإضراب السلمي حق ينظمه القانون، ومن هنا كان واجبا أن تتغير نظرة القاضي الإداري من اعتبار الإضراب عملا مجرما معاقب عليه إلى اعتباره حقا مشروعا، وهو ما تم فعلا في الغالب الأعم من الحالات، فيما عدا الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 24587 لسنة 61 قضائية عليا والذي انتهت فيه المحكمة إلى عدم مشروعية الإضراب استنادا إلى أحكام الشريعة الإسلامية ومن ثم تجاهلت إعمال الاتفاقية السابق الإشارة إليها والتي جعلت الإضراب حقا استنادا إلى ضرورة توافق الاتفاقية مع أحكام الشريعة الإسلامية وهو الأمر المتحقق، كما تجاهلت دستوري 2012، 2014 واللذين نصا على مشروعية الإضراب السلمي، وفيما عدا هذا الحكم اطردت الأحكام على الاعتراف بالإضراب السلمي إلا أنها لم تتجاهل معاقبة الموظف عن الأفعال التي اقترنت بالأضراب وشكلت في ذات الوقت مخالفة تأديبية مستقلة عن المخالفة المتعلقة بالإضراب، فقد قرر الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 19485 لسنة 59 ق0 عليا بجلسة 26/7/2015 ومن حيث إن مفاد ما تقدم أنه بموجب دستور 2012 ثم دستور 2014 لم يعد الإضراب السلمي منحة، بل صار من الحقوق الدستورية المكفوفة لكل فئات العمال بغض النظر عن طبيعة الجهة التي يعملون بها أي سواء بالقطاع الحكومي أو العام أو الخاص، بمعنى أنه أضحى معترفا به كحق مشروع من حيث المبدأ، ومنح المشرع واجب تنظيمه.

5- وسواء نشط المشرع أو لم ينشط لتنظيم هذا الحق علي النحو الذي يستحقه شعب عظيم قام بثورتين –ثورة الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيه– فإن استعمال العمال لهذا الحق جلبا لحقوقهم دون إضرار بالمرافق العامة، إنما هو استعمال مشروع لحق ثابت دستوريا ولا يستوجب عقابا، إذ أنه متى قرر الشارع حقا اقتضي ذلك حتما إباحة الوسيلة إلي استعماله، إذ يصدم المنطق أن يقرر الشارع حقا ثم يعاقب علي الأفعال التي يستعمل بها، فيكون معنى ذلك تجريد الحق من كل قيمة وعصفا به كلية وتحريما ومصادرة كاملة للحق ذاته.

ثانيا: بطلان العقوبات التأديبية للموظفين بناء على تقارير أمنية

في حالة تعنت الإدارة في مواجهة موظف استنادا إلى تحريات أمنية وتوقيع جزاء تأديبي أو إحالته للمحكمة التأدبية بناء على مثل هذه التحريات فإن قرار الجزاء يكون باطلا كما أنة لا يجوز إدانة موظف من خلال المحكمة التأدبية نتيجة تقارير أو تحريات أمنية، ويعتبر هذا مبدأ ثابتا ومتواترا في أحكام المحكمة الإدارية العليا سواء كان تدخل تحريات أو تقارير الأمن قبل التعيين لمنعه، أو بعد التعيين لفصل الموظف أو لتوقيع  جزاء كعقوبة تأديبية.

ومما قضت به الإدارية العليا في هذا الشأن أن:

1-  تقارير المباحث لا تعدو أن تكون من قبيل الاستدلالات، ولا تصلح بذاتها لأن تكون دليلا لإصدار القرار الإداري:

“تقارير المباحث لا تعدو أن تكون من قبيل الاستدلالات، ولا تصلح بذاتها لأن تكون دليلا لإصدار القرار الإداري، بل يجب أن تؤيد هذه التحريات قرائن وأدلة أخرى، فالتحريات لا تعدو أن تكون رأيا لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب وإنه يتعين طرحها جانبا إذا لم تتأكد بدليل يعززها ويؤكدها”

(المحكمة الإدارية العليا: الطعن رقم 791 لسنة 49 ق جلسة 2/6/2007)

2- عدم ورود استطلاع الرأي لا يمكن أن يوصف عدم استيفائه بأنه تقاعس من الموظف لأنه سبب لا دخل لإرادته به:

“وشيدت المحكمة على أن الظاهر من الأوراق أن القرار المطعون فيه رقم 171 لسنة 1994 قد تضمن إلغاء تعيين المدعى والمرشح للتعيين على الدرجة الثالثة قانون بإدارة تموين دشنا لعدم ورود استطلاع الرأي وهو سبب لا دخل لإرادة المدعى فيه بحيث يمكن إن يوصف عدم استيفائه تقاعسا منه عن أداء ما تتطلبه الإدارة من أوراق تفصل بصلاحية موظفيها وتوافر الشروط المطلوبة في حقهم فلا يمكن أن تستمر رابطة التوظف إذ قصر الموظف في تقديم هذه المسوغات في الميعاد وكان هذا التقصير راجعا إلى إهمال الموظف بإرادته الحرة. أما وقد تبين أن سبب عدم استكمال المدعى هذا البيان هو عدم رد جهات الأمن المختصة في الميعاد المناسب ثم اعتقال المدعى بعد ذلك في 5/9/1994 واستمرار الاعتقال حتى 8/2/1997 وإن كان قد أفرج عنه خلال هذه المدة إلا إن الملاحظ أن الإفراج كان يتم لأيام لا تسمح بالتردد على الجهات الإدارية، فضلا عن أن اعتقاله كان سببا في عدم ورود رأي الجهات الأمنية وإذ لم تفصح الأوراق عن أن اعتقاله كان لأسباب تمس النزاهة والسمعة بما يؤثر في عمله في الوظيفة العامة، ويفقده شرطا من شروطها فعليه تحمل هذه الواقعة على أنها كانت لأسباب سياسية مما لا يفقد المدعى شرطا من شروط شغل الوظيفة. الأمر الذي يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه فضلا عن أن وظيفة المدعى المرشح عليها هي مصدر رزقه الوحيد الذي يعتمد عليه في حياته وتوفير كل متطلباته المعيشية بما يتوافر به ركن الاستعجال مما يتعين معه إجابة المدعى إلى طلب وقف تنفيذ القرار رقم 171 لسنة 1994 مع ما يترتب على ذلك من أثار أهمها تسليم المدعى عمله ثم تدبير الدرجة المالية”

(المحكمة الإدارية العليا: الطعن رقم 440 لسنة 45ق عليا جلسة  23/9/2006)

3- يتعين طرح التحريات جانبا وعدم التعويل عليها سيما وأنها لم تتأيد بدليل آخر يعززها:

“أنه بشأن أقوال كل من الضابطين (ج) و(د) فإنها لا تعدو أن تكون قد جاءت ترديدا لما سطره الأول بمحضر تحرياته وكان من المقرر أن التحريات لا تعدو أن تكون رأيا لصاحبها تخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب ومن ثم يتعين طرحها جانبا وعدم التعويل عليها سيما وأنها لم تتأيد بدليل آخر يعززها”

(المحكمة الإدارية العليا: س 38 جلسة 5/1/1993  الطعن رقم 3574 لسنة 36 القضائية ص 430)

4-  لا يجوز للمحكمة أن تقضي بما ليس له سند من الأوراق معتمدة على وجهة نظرها في تحريات الشرطة:

“لا وجه للقول بأن تحريات شرطة الآداب لا يصل إليها رجال المباحث إلا بعد أن تكون قد شاعت بين الناس وأن هذه التحريات لها سند من الواقع. أساس ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون ما شاع بين الناس متفقا مع الحقيقة. إذ لو كانت كل تحريات الشرطة صحيحة لما قامت بالبلاد حاجة إلى خدمات القضاء والعدل. لا يجوز للمحكمة أن تقضي بما ليس له سند من الأوراق معتمدة على وجهة نظرها في تحريات الشرطة”

(الإدارية العليا: س 33 جزء 2 جلسة 26/3/1988 الطعن رقم 2338 لسنة 31 القضائية)

  pdf للتاريخ: أحكام قضائية ترسخ الحقوق و الحريات

المصدر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....