عيش حرية عدالة إجتماعية

للنوبيات قول آخر: عين نسوية على قافلة العودة النوبية ( 19- 22 نوفمبر 2016)

76

بيان جديد بثته شبكة نظرة للدراسات النسوية جاء بعنوان “للنوبيات قول آخر: عين نسوية على قافلة العودة النوبية ( 19- 22 نوفمبر 2016)” وذلك بتاريخ 2017-05-05T09:02:22+00:00

3 مايو 2017مقدمة

يرجع الحراك المتعلق بالقضية النوبية في مصر إلى قرن مضى، منذ تقسيم النوبة في 1898 بين مصر والسودان وتعرض النوبيين إلى عدة عمليات تهجير قسري بدأت عام 1902 مع بناء خزان أسوان بهدف “التوسع في زراعة القطن” مرورا بتهجير عام 1912 وعام 1932 وأخيرا تهجير 1964 لبناء السد العالي. وتعد الخسائر المترتبة على التهجير الأخير (عام 1964) هي الأكثر فداحة بالرغم من خسارة الأراضي خلال حلقات التهجير الأخرى، إلا أن التهجير الأخير تسبب في غرق النوبة التاريخية وإبعاد النوبيين عن “بيئتهم الزراعية” إلى أماكن ذات ظروف معيشية قاسية. وبحلول عام 1970 كان بالفعل قد تم تهجير حوالي 50000 نوبيا بعيدا عن أراضيهم. ومن هنا بدأ النوبيونات يطالبون بحق العودة، والذي لا يعني العودة إلى الأراضي التي تم إغراقها تحت بحيرة ناصر، ولكن حق النوبيين في إعادة توطينهم حول البحيرة وتمكينهم من تطوير الأراضي المحيطة بها. واستمر عبر أجيال العمل  من أجل الحقوق النوبية والتي تشمل أيضا الحقوق الثقافية المتعلقة باللغة والتراث النوبي “. واتخذ الحراك النوبي عدة أشكال بعضها فني وأدبي وبعضها اهتم بتكوين أطر تنظيمية تنادي بحق النوبيين في العودة أوو تنظم الأنشطة الثقافية والاجتماعية التي من شأنها الحفاظ على الهوية والتراث النوبي وإحياؤه. وكان من ضمن هذه الأطر التنظيمية على سبيل المثال لجنة متابعة الملف النوبي، واتحاد الشباب النوبي الديمقراطي الذي تأسس في القاهرة في 2009.
 
أتت ثورة يناير 2011 معبأة بالعديد من الآمال حول ما يمكن أن يحمله حلم التغيير من تلبية لمطالب النوبيين. ونشأت بعض التنظيمات الجديدة التي تناضل من أجل الحقوق النوبية بعد 2011 ومنها الاتحاد النوبي العام الذي تأسس بأسوان في شهر أبريل 2011. ونظم الاتحاد أكثر من فاعلية بعد تأسيسه منها فعالية اليوم النوبي العالمي يوم 7 يوليو 2011 وتلاه اعتصام 4 سبتمبر 2011 والذي استمر 11 يوم من أجل المطالبة بحقوق النوبيين في العودة وعقبه اجتماع في مجلس الوزراء مع بعض النشطاء المنخرطين في القضية النوبية. كما استمر اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي في القاهرة بعقد فعالياته السياسية والثقافية حتى حله عمليا في 2013. وكانت هناك عدة مبادرات أخرى مثل ائتلاف العودة النوبية “عائدون” و”دستور يا نوبيين” والتي كانت تعمل بشكل أساسي على إدماج حقوق النوبيين في الدستور.
 
تعتبر الاستحقاقات الدستورية التي أقرها دستور 2014 نقطة تحول في القضية النوبية حيث نصت المادة 236 على “وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلي مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون”. إلا أنه بالرغم من هذه الاستحقاقات، كانت قرارات الدولة فيما بعد مخيبة للآمال ومخالفة للالتزامات الدستورية. ففي 29 نوفمبر 2014 صدر القرار الجمهوري رقم 444 الذي اعتبر 16 قرية نوبية من أصل 44 قرية من قرية العلاقي شمالا إلى أدندان جنوبا، أراض حدودية عسكرية. وبذلك يعد القرار 444 انتهاكا واضحا لحق العودة الدستوري حيث أنه يحرم النوبيين من العودة إلى 16 قرية حول بحيرة السد. وتبع ذلك قرارا آخر وهو القرار 355 الذي استبعد النوبيين من أي مشاورات حول تنمية مدينة توشكى بالرغم مما يقره الدستور من مشاركة للنوبيين في عمليات التنمية التي تخص أراضيهم. ونظمت عدة فعاليات احتجاجية حول هذه القرارات كما تم رفع قضيتين أمام المحاكم المصرية  مطالبين بوقف العمل بالقرار 444 دون جدوى.
 
وأخيرا، استكمالا لسلسلة القرارات المخالفة للمكتسبات الدستورية بعد 2014، جاء القرار الأخير الذي ضم “فورقندي” وهي أرض نوبية إلى البيع ضمن مشروع المليون ونصف فدان الذي أعلنت عنه الحكومة في أواخر عام 2016، وهو ما يعني حرمان النوبيين من العودة إلى إحدى أراضيهم.
 
ردا على هذا القرار، قرر عدد من النشطاء والناشطات النوبيينات تنظيم قافلة سميت ب”قافلة العودة النوبية”. بدأت القافلة بنية رفع اللافتات المنددة بالقرار في قرية “فورقندي”، ثم تحولت إلى اعتصام استمر لمدة ثلاث أيام من 19 إلى 21 نوفمبر 2016 فجرا (أي بداية يوم 22 نوفمبر) لم يكتفي بالتنديد بقرار ضم “فورقندي” إلى مشروع المليون ونصف فدان، بل رفع العديد من المطالب الأخرى الخاصة بحقوق النوبيين. صاحب الاعتصام زخما واسعا وشارك به العديد من الشبابات النوبيينات قبل فضه في اليوم الثالث بعد تعرض المعتصمين للعديد من الضغوط. وتلى القافلة اجتماع مع مجلسي الوزراء والنواب التزمت فيه الدولة بعدة وعود سيتم تفصيلها أدناه.
 
ويشهد الحراك النوبي كغيره من الأحداث السياسية الأخرى إغفالا لروايات النساء عن هذه القضايا والأحداث أو في بعض الأوقات عدم الانتباه إلى مشاركتهن بها منذ البداية، ولا تهتم أغلب السرديات السائدة عن هذه الأحداث بمنظور النوع. فخلال العمل الطويل المتعلق بالقضية النوبية برز العديد من النشطاء والأدباء والسياسيين النوبيين، إلا أن النساء النوبيات لم يحظين دائما بنفس القدر من الاهتمام، ولم تبرز أصواتهن بشكل كافي. وكان ذلك متمثلا بوضوح في أحداث “قافلة العودة” الأخيرة.
 
حظت القافلة بتغطية محلية ودولية ونجحت في خلق نقاش حول الحقوق النوبية وجذب الاهتمام من قبل العديد من وسائل  الإعلام وبعض المجموعات السياسية والاجتماعية. وبالرغم من الزخم والاهتمام الذي صاحب القافلة، إلا أن التركيز الأكبر كان على مشاركة الرجال وكانت أغلب المقابلات والتصريحات من الرجال المشاركين في القافلة. وفي اليوم الثاني للاعتصام تم الاحتفاء بالنساء النوبيات اللاتي وفرن للقافلة المواد الغذائية والمياه. فبدا وكأن النساء إما لم يشاركن في هذه القافلة على الإطلاق أو أن دورهن اقتصر على دعم الرجال المشاركين وتزويدهم بمستلزمات الإعاشة.
 
ومن هنا تأتي أهمية الاشتباك مع القضية النوبية من منظور نسوي؛ فوفقا للمنظور النسوي تختبر النساء والناشطات بالمجال العام تجاربهن الخاصة والتي ترتبط بنوعهن ونشاطهن، وتختلف تجاربهن عن السردية العامة التي غالبا ما تكون من منظور الرجال. ولا تنحصر خصوصية تجارب النساء في تعرضهن لانتهاكات على أساس نوعهن أو هويتهن، بل إن رؤية الحدث نفسه وفرص الاشتباك معه تختلف من منظور النساء. بالتالي، فسرد وتحليل نفس القضايا والأحداث من وجهة نظر النساء غالبا ما يؤدي إلى رواية ونتائج مختلفة.
 
لذلك تهتم “نظرة للدراسات النسوية” برؤية الحراك النوبي بعين نسوية، ترى النساء وتبرز أصواتهن، وذلك عبر قافلة العودة الأخيرة كحدث معبر عن مرحلة من مراحل الحراك النوبي.
 
تسعى هذه الورقة إلى سرد أحداث قافلة العودة وتحليلها في سياقها كجزء من الحراك النوبي من منظور نسوي. ويعني ذلك أولا إبراز مشاركة النساء النوبيات في القافلة سواء كن ناشطات بالمجال العام أو لا، إيمانا أن الاهتمام بمشاركة النساء أيا كانت خلفياتهن هو في حد ذاته أمر هام، وأنه غالبا ما يؤدي إلى رؤية الحدث بشكل مختلف. ثانيا، تحاول الورقة تسليط الضوء على تواجد النساء بالقافلة عن طريق رؤية أحداث القافلة نفسها وفهمها من خلال روايات ومنظور النساء اللاتي شاركن في القافلة، أو بمعنى آخر رواية سردية موازية لأحداث القافلة من عيون النساء. ثالثا، تهتم الورقة برصد أي انتهاكات أو ممارسات تمييزية تعرضت لها النساء بسبب مشاركتهن في القافلة أو لاندماجهن في العمل السياسي بمعناه الواسع. وقد يعطي هذا الجزء اهتماما خاصا للناشطات بالمجال العام المشاركات في القافلة حيث أن تجاربهن تمتد إلى عدة أحداث وفعاليات أخرى مرتبطة بالقضية النوبية وغيرها. رابعا، التركيز على القافلة لكونها عدسة لتحليل دور النساء في القضية النوبية ولذلك سيتم الإشارة إلى عدة أحداث أخرى وإلى تجارب هؤلاء النساء في تنظيماتهن النوبية كإطار عام. أخيرا، إن تجارب النساء في الحراك النوبي هي جزء من  التمييز الأبوي وتعرضهن لأشكال مختلفة من التمييز على أساس نوعهن، وهي جزء من رواية أكبر مرتبطة برحلات ومعارك هؤلاء النساء في المجال العام.
 
تأخذ هذه الورقة بعين الاعتبار تقاطع هويات هؤلاء النساء، إلا أن التركيز الأكبر سيكون مرتبط بالتمييز على أساس النوع الذي يتعرضن له داخل بعض أطر  المجتمع النوبي.

منهجية وأدوات البحث
اعتمدت هذه الورقة على التحليل الكيفي وبالأخص تحليل المحتوى لعدة مصادر أولية وثانوية من منظور نسوي. واستخدمت الورقة بشكل أساسي المصادر الأولية حيث أن هدفها الرئيسي هو توثيق تجارب النساء والناشطات اللاتي شاركن في القافلة أو المشتبكات مع القضية النوبية. وتم جمع الشهادات عبر البحث الميداني حيث قامت الباحثات بزيارة أسوان وإجراء مقابلات مع عدد من النساء اللاتي شاركن في القافلة. وشمل ذلك مقابلات مع 6 ناشطات من أسوان سبق لهن الانخراط في فعالياتتنظيمات متعلقة بالقضية النوبية أو غيرها، وزيارة ميدانية إلى توشكى لإجراء مقابلات مع 4 نساء ممن شاركن بالقافلة وشكلت القافلة أول اشتباك لهن مع القضية النوبية في شكل فعاليات منظمة، إلا أن بعضهن سبق لهن النشاط في المجال العام. كما شملت الزيارة أيضا مقابلة مع رئيس الاتحاد النوبي الحالي محمد عزمي. وإلى جانب الزيارة الميدانية اعتمد البحث على مصادر أولية أخرى مثل مقابلات بعض الناشطات النوبيات المشتبكات مع القضية خارج أسوان. وتنوعت المقابلات بين مقابلات شخصية متعمقة مقابلات جماعية مع  النساء اللاتي شاركن سويا في القافلة. وبالإضافة إلى ذلك، استخدم البحث بعض المصادر الثانوية عن تاريخ الحراك النوبي في السنوات الماضية.
 
تَتَبِع هذه الورقة منهج التوثيق النسوي ويعني ذلك بحسب الدليل الصادر من التحالف الدولي للمدافعات عن حقوق الإنسان أن الباحث(ة) ليس بالضرورة “موضوعي” كما هو سائد في العمل البحثي، بل هو منحاز لروي الأحداث من منظور النساء اللاتي يتم التوثيق معهن ومنحاز لتمكينهن عبر عملية التوثيق والنشر. كما أن التركيز لا يكون فقط على الانتهاك أو التمييز في الحدث المعني ولكن على السياق الأوسع من التمييز ضد النساء وروايتهن. ومن ناحية أخرى لا يكتفي التوثيق النسوي بتوثيق الانتهاكات فقط ولا يتوقف عندها، بل يهتم برؤية هذه الانتهاكات ضمن أشكال التمييز الأخرى التي تتعرض لها النساء، ولا يهتم فقط “بتجارب العنف والتمييز” ولكن أيضا بروايات النساء عن نشاطهن ومقاومتهن للقيود المفروضة عليهن.
 
ستشرح الورقة أولا لماذا يتم تسليط الضوء على قافلة العودة النوبية والسياق الذي أتت فيه القافلة الأخيرة، ثم سيتم التعريف بالناشطات والنساء اللاتي تم التوثيق معهن، ويعقبه سرد أحداث القافلة من عيون المشاركات بها. وأخيرا، تحليل الممارسات التمييزية أو العوائق التي واجهت النساء خلال مشاركتهن في القافلة.
 
استخدمت جميع المقابلات استمارات موافقة مكتوبة من النساء أو موافقات شفهية على استخدام شهاداتهن. في الجزء الخاص الخاص بدور الناشطات النوبيات سيتم استخدام الأسماء الحقيقية للناشطات، أما في الجزء الخاص بالانتهاكات والممارسات التمييزية فسيتم استخدام حروف مستعارة (تم تغيير الحروف الأولى من أسمائهن الحقيقية) وذلك للحفاظ على خصوصيتهن.

لماذا “قافلة العودة النوبية”2016؟

اختارت الورقة تسليط الضوء على قافلة العودة النوبية لعدة أسباب. أولا، اتفقت العديد من النساء اللاتي تم الحديث معهن أن القافلة شكلت نقطة تحول من حيث الحشد وآليات الحراك في القضية النوبية مع وجود قيادة شابة للاتحاد النوبي بأسوان. فلاقت القافلة قبولا بين الشباب والأهالي في بعض القرى النوبية  ولم تقتصر على النشطاء النوبيين المنخرطين في الحراك سابقا ، بل نجحت في استقطاب عدد من النوبيينات ممن لم يسبق لهم الاشتباك مع القضية. رأت العديد من المشاركات أيضا أن هذه القافلة شكلت زخما حقيقيا واهتماما بالقضية النوبية داخل النوبة وخارجها. تقول آيات عثمان “أنا شايفة القافلة كانت مهمة جدا وأثرت في الحراك وإن متبقاش بس عواجيز هي حمست الشباب. في شباب من السيالة مكملوش 20 سنة انا شفتهم وكانت بايتة في الاعتصام وكانوا عارفين هم جايين ليه. الاعتصام عمل حركة في نصر النوبة وبقوا بيتلكموا بعد كده هنعمل ايه ويفكروا في خطط. الموضوع فرق على مستوى الأجيال أصغر والأمن بقى بيتعامل بشكل مختلف عشان الأجيال الأصغر أشرس ومش متوقعة.” وتضيف “آليات الحشد والحركة كانت جديدة زي الهاشتاجات على الفيسبوك واللغة الحقوقية”. ويبدو أن القافلة كان لها أثرا واسعا داخل القرى النوبية، فبعض النساء النوبيات اللواتي أدلين بشهادتهن ذكرن  أنهن شاركن في القافلة لأنها كانت المرة الأولى التي عرفن فيها عن وجود فاعلية خاصة بحق العودة وحقوق النوبيين، وأبدين استعدادهن للمشاركة في أي فاعلية قادمة. بالتالي، كان اهتمامنا بالتركيز على القافلة من منطلق أنها أصبحت حدثا محوريا في الحراك النوبي بعد ثورة يناير 2011. ثانيا، استدعت القافلة مشاركة عددا من النساء ليس فقط من الناشطات ولكن أيضا ممن لم يسبق لهن الاشتباك مع أي فعاليات أخرى . وكان اهتمام الورقة بالقافلة مضاعفا بسبب تركيز يومها الثاني بالأساس على خرق النساء للكمين الذي كان يحاصر المعتصمين  لدخول الاعتصام فيما سمي ب””قافلة فك الحصار”، بالتالي كان هناك دور محوري للنساء تم تناوله بأشكال مختلفة من قبل الفاعلين المختلفين ومن المهم الاشتباك معه وتحليله نسويا.
 
من ناحية أخرى، أصبحت القافلة ممثلة لمطالب النوبيين حيث أن مطالبها لم تقتصر على استبعاد فورقندي  من مشروع المليون ونصف فدان. فبينما بدأت القافلة بنية رفع اللافتات في فورقندي والمطالبة باستبعادها من المشروع، أدى الاستهداف الأمني للقافلة إلى تحويلها إلى اعتصام شامل لمطالب    متعددة للقضية النوبية.

وكانت المطالب التي تم إعلانها كالآتي:
1. ” ﺳﺮﻋﺔ ﻓﻚ ﺍﻟﺤﺼﺎﺭ ﺍﻷﻣﻨﻲ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﻴﻦ ﻓﻲ ﻗﺎﻓﻠﺔ ﺍﻟﻌﻮﺩﺓ ﺍﻟﻨﻮﺑﻴﺔ، ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﻼﺣﻘﺔ ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ ﻟﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ
 2. ﺳﺮﻋﺔ ﺭﻓﻊ ﻣﻨﻄﻘﺔ ” ﻓﻮﺭﻗﻨﺪﻱ – توشكى” ﻣﻦ ﻛﺮﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﻤﻄﺮﻭﺣﺔ ﻟﻠﺒﻴﻊ ﺿﻤﻦ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻤﻠﻴﻮﻥ ﻭﻧﺼﻒ ﻣﻠﻴﻮﻥ ﻓﺪﺍﻥ، ﻭﻋﺪﻡ ﻃﺮﺡ ﺃﻱ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﻧﻮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺃﻱ ﻣﺸﺮﻭﻉ ﻗﻮﻣﻲ ﻗﺒﻞ ﺍﻻﻧﺘﻬﺎﺀ ﻣﻦ ﺗﻮﻃﻴﻦ ﺍﻟﻨﻮﺑﻴﻴﻦ ﻭﺇﻋﺎﺩﺓ ﺇﻋﻤﺎﺭ ﻗﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ
 3. ﻣﻨﺢ ﺍﻷﻭﻟﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺗﻤﻠﻚ ﺑﺎﻗﻲ ﺃﺭﺍﺿﻲ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺑﻤﻨﻄﻘﺔ ﺗﻮﺷﻜﻰ ﻟﺸﺒﺎﺏ ﺍﻟﺨﺮﻳﺠﻴﻦ ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﻣﺤﺎﻓﻈﺔ ﺃﺳﻮﺍﻥ ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎﻡ
 4. ﺗﻔﻌﻴﻞ ﺍﻟﻤﻮﺍﺩ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭﻳﺔ ” 47 ، 48 ، 49 ، 50 ،، 93 ، 236 ” ﻭﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺇﻧﺸﺎﺀ ﺍﻟﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻌﻠﻴﺎ ﻹﻋﺎﺩﺓ ﺗﻮﻃﻴﻦ ﺍﻟﻨﻮﺑﻴﻴﻦ ﻭﺗﻌﻤﻴﺮ ﻭﺗﻨﻤﻴﺔ ﻗﺮﻯ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ، ﻣﻊ ﺗﻌﺪﻳﻞ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ ﺭﻗﻢ 444 ﻟﺴﻨﺔ 2014 ، ﺍﻟﺨﺎﺹ ﺑﺘﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻤﺘﺎﺧﻤﺔ ﻟﻠﺤﺪﻭﺩ ﺑﻤﺎ ﻳﺘﻔﻖ ﻣﻊ ﻧﺼﻮﺹ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ، ﻭﺣﻘﻮﻕ ﺍﻟﻨﻮﺑﻴﻴﻦ ﺑﺈﻋﺎﺩﺓ ﺗﻮﻃﻴﻨﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻣﻞ ﺃﺭﺍﺿﻴﻬﻢ
 5. ﻭﻗﻒ ﻛﺎﻓﺔ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻋﺎﺕ ﺍﻻﺳﺘﺜﻤﺎﺭﻳﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻨﻮﺑﺔ ﺍﻷﺻﻠﻴﺔ”
وكان الرئيس المصري قد أعلن في نهاية مؤتمر الشباب في أسوان عن استبعاد “فورقندي” من المشروع، إلا أن وجهات النظر حول تحقيق القافلة لأهدافها يختلف من ناشطة إلى آأخرى، بالرغم من اتفاقهمن على أهميتها. وفيما يلي سرد لأحداث القافلة من وجهة النظر النساء المشاركات بها..

 
تعريف ببعض الناشطات والنساء المشاركات في القافلة

آيات عثمان: ناشطة نسوية ونوبية وعضوة مؤسسة في مؤسسة جنوبية حرة للتنمية والتي تم إشهارها في 2013. انضمت آيات إلى الاتحاد النوبي في 2011 وشاركت في العديد من الفعاليات والاجتماعات الخاصة بالاتحاد. إلى جانب نشاطها النسوي واشتباكها مع القضية النوبية، شاركت آيات في عدة فعاليات سياسية واحتجاجية بعد ثورة يناير.
 
سهام عثمان: ناشطة نسوية ونوبية، عضوة مؤسسة في مؤسسة جنوبية حرة للتنمية وعضوة فاعلة في الاتحاد النوبي منذ تأسيسه في 2011. اشتركت سهام في أغلب الفعاليات السياسية والاجتماعية التي نظمها الاتحاد. تم انتخابها في 2012 كنائب ثان لرئيس الاتحاد. وهي حاليا مسئولة لجنة التخطيط والمتابعة بالاتحاد و عضوة مجلس إدارته. تنوي سهام الترشح في الانتخابات الحالية لرئاسة الاتحاد.
 
شيماء محمود وشهرتها “حفصة”:  بدأ نشاط حفصة في الاتحاد النوبي في عام 2012، وأصبحت مسئولة اللجنة الاجتماعية وهي حاليا عضوة مجلس إدارة بالاتحاد. منذ انخراطها في العمل على القضية النوبية وكان لها نشاط واضح وفعال في أغلب الفعاليات الخاصة بالاتحاد والقضية النوبية. قبل 2012 كانت أكثر انخراطا في العمل الخيري والخدمي.
 
فاطمة إمام: باحثة وناشطة نسوية ونوبية. كان لفاطمة نشاط في العديد من المجموعات السياسية والنسوية قبل الثورة وانضمت إلى جبهة الدفاع عن متظاهري مصر. وانضمت إلى اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي بعد يناير 2011. كانت فاطمة إحدى أعضاء الفريق الاستشاري لحجاج آدول ممثل النوبيين في لجنة الخمسين لكتابة الدستور المصري 2014.
 
م:  امرأة نوبية من نصر النوبة، كانت مشاركتها في قافلة العودة أول اشتباك لها مع فعالية خاصة بالقضية النوبية، وشاركت بعدها في مؤتمر توشكى وعازمة على المشاركة في أي فعاليات أخرى يتم تنظيمها حول القضية النوبية.
 
مروة السيد: اهتمت مروة بالقضية النوبية منذ الصغر وكانت منخرطة في مبادرات إعلامية وصحفية. قبل انضمامها رسميا إلى الاتحاد النوبي كانت تشارك في الفعاليات التي ينظمها الاتحاد. وشاركت مروة أيضا في بعض المبادرات الخاصة بالدفاع عن حقوق الإنسان في أسوان. هي حاليا مسؤولة اللجنة الإعلامية بالاتحاد و عضوة مجلس إدارته.
 
ن.: امرأة نوبية من نصر النوبة، كانت مشاركتها في قافلة العودة أول اشتباك لها مع فعالية خاصة بالقضية النوبية، وشاركت بعدها في مؤتمر توشكى وعازمة على المشاركة في أي فعاليات أخرى يتم تنظيمها حول القضية النوبية.
 
ن.أ: هي نوبية من نصر النوبة ومدافعة عن حقوق الإنسان، سبق لها النشاط في المجال العام وشاركت بشكل فعال في العديد من الفعاليات الاحتجاجية بالقاهرة خلال أحداث الثورة المصرية. شاركت في القافلة وتنوي استمرار مشاركتها في الفعاليات الخاصة بالقضية النوبية. وتحاول حاليا تأسيس جمعية نسائية بنصر النوبة.
 
ه.: هي نوبية مهتمة بإحياء الهوية والثقافة النوبية وخاصة اللغة. كانت القافلة أول مشاركة سياسية لها في فعالية ينظمها الاتحاد وتنوى استكمال نشاطها على القضية النوبية بعد القافلة.
 
وفاء عشري: ناشطة سياسية، اشتبكت مع العمل السياسي قبل ثورة يناير2011 وشاركت في التحضير لمظاهرات 25 يناير2011 في أسوان وكانت مرشحة لانتخابات مجلس الشعب في 2015. تهتم وفاء أيضا بالعمل النسوي وترجع عضويتها في الاتحاد النوبي إلى 2011 إلا أن نشاطها الفعلي واهتمامها بالقضية بدأ في 2013 بعد أحداث العنف بين الدابودية والهلايلة.
سرد لأحداث قافلة العودة النوبية من عيون المشاركات بها
 
التحضير للقافلة
أثار مشروع المليون ونصف فدان الذي أعلنت عنه الحكومة في أواخر العام الماضي، غضب العديد من النوبيين الذين رأوا في ضم “فورقندي” تَعَدِ واضح على حق العودة الذي يضمنه الدستور. وبدأ التفكير في ردود الأفعال الإحتجاجية الممكنة ضمن أوساط النشطاء النوبيين وداخل الاتحاد النوبي العام. تقول مروة: “عملنا اجتماع في توشكى وكان عندنا اقتراحات كتير مثلا نقف بشموع على كل قرية أو نرفع علم اسود على كل بيت وكانت آخر حاجة إن احنا نروح لمدير الأمن نقوله يوصل صوتنا للحكومة ولو مسمعوناش هنضطر نقف”. وبدأت تتداول فكرة الحشد في القرى النوبية من أجل قافلة أو فاعلية حاشدة منددة بالقرار، وشارك عدد من النساء النشطات بالاتحاد النوبي – وانضم إليهن عدد آخر من النساء لاحقا- في الفعاليات التي كان من شأنها التوعية والحشد. وفي البداية كان القرار بالاحتشاد في فورقندي ورفع الُيُفَط واللافتات يوم 5 نوفمبر 2016. وسبق هذا اليوم بعض المسيرات الحشدية. فتروي سهام عثمان: “أما سمعنا بموضوع المزاد وإنه متضمن أراضي نوبية اللي هي فورقندي الأول قلنا هنعمل مسيرات جوة نصر النوبة بالعربيات من أول بلانة وأنا شاركت فيها. كنا 4 بنات وطلبوا يبقى في بنت معاهم وكنت بتكلم في الميكروفون. كنا بنحشد الناس ونقول الأسباب. ده كان اول يوم مشاركة ليا بدأ من 1 الضهر ل 11 بالليل”.
 
وتكمل سهام: قررنا نطلع يوم 511 وكنا مستنيين على أساس إننا نطلع فوق فورقندي.” وتستطرد حفصة: “8 الصبح كنت في الاتحاد لقيت 3 أو 4 أنفار منهم عزمي. ابتدى يبان ناس بتعتذر بعد ماكنا بنقول كل قرية هتشارك بقى في قرى كاملة بتقول مش هنشارك مع إن كان المفروض لحد امبارح لفين عليكوا وقلتوا هتشاركوا.” وأثناء تواجدهم في الاتحاد النوبي نمى إلى علمهم أن المشاركين في الفعالية من نصر النوبة تم توقيفهم من قبل الشرطة في كمين الخطارة، “نزلنا وكنا قاعدين في العربية حد كلم سهام وحد كلم عزمي وقالوا الناس اللي جايين من نصر النوبة اتوقفوا في كمين فقلنا خلاص احنا هنروح نشوفهم “. وتستكمل سهام الرواية: “رحنالهم كنت أنا وحفصة ووفاء واتخانقنا مع الشرطة وقلنالهم انتوا واخدين الرخص ليه هاتوا البطايق والرخص وخناق وزعيق. ووقفنا طريق الخطارة وهو طريق رئيسي يعتبر مدخل اسوان. ابتدى الناس يشتبكوا معانا موقفين الطريق ليه .. لا ده هما واخدين الرخص…وكده. في ظابط منهم اتخانق معايا عشان رافضة الطريق يتفتح وقعد يقولي خليكي محضر خير يا استاذة انا بكلم الرجالة. بعد كده اتصلوا بنائب في القاهرة وكلم مدير الأمن وعلى كده خدنا الرخصة وكانت الساعة خلاص 5 العصر فمكانش ينفع نطلع فورقندي. هي الفكرة كان اصلا اننا نروح  نرفع اليفط مش فكرة اعتصام. لما حصل كده قررنا نروح الاتحاد ونعتصم لحد ما نشوف الموضوع”. ويقول محمد عزمي الرئيس الحالي للاتحاد النوبي العام: “القافلة الأولى اللي كانت 511 كانت بنات الاتحاد وشوية من نصر النوبة نسبتهم مش كبيرة بس عندهم حماس وإصرار. بعد اليوم ده ابتدت الستات في البيوت تهتم”، ويضيف: “أول ما ابتدينا كان في 25 ست وكنا كلنا 60 (من نصر النوبة).  ده كان أول اجتماع للتحضير للقافلة في قرية توشكى وكان فيه البنات بتوع الاتحاد وستات من توشكى. تاني وتالت اجتماع مكنش فيهم أي عنصر نسائي”.
 
وبعد التعثر في اكتمال فاعلية 511 كما تروي المشاركات، تم الاتفاق على تأجيل الفعالية إلى يوم 1911، حيث كانت تتداول أخبار عن وجود دعوات واسعة للتظاهر يوم 1111 بسبب الظروف الاقتصادية، وبالتالي كان القرار بتأجيل الفعالية النوبية إلى ما بعد 1111 لتفادي أي خلط أو سوء فهم حول الفعالية وأهدافها. وشاركت الناشطات في مسيرات بالسيارات في القرى للحشد للقافلة وداخل الاتحاد، “لحد اليوم ده احنا رايحين جايين عالاتحاد وبنحاول نحشد ناس وكان معانا خيم وإضاءة”، وتضيف وفاء عشري: “كانوا مركزين في وجود البنات إن هم يحشدوا ستات بالتحديد”.

أحداث القافلة
بدأت القافلة في التحرك يوم 19 نوفمبر 2016 طبقا لخط سيرها الطبيعي وتم السماح لها بالمرور من كمين الخطارة، ثم تم استيقافها في كمين كركر، “كان في تقريبا معانا 12 او 13 بنت واحنا كنا معديين ال400 شخص ودخلوا معانا”. وكان من المفترض أن يكون كمين كركر هو آخر كمين قبل وصول القافلة إلى توشكى إلا أن المشاركينات بالقافلة فوجئوا بوجود كمين متحرك على طريق أسوان-أبو سمبل منعهم من استكمال مسيرتهم، “وقفوا عند كمين كركر وصوروا بطايقهم وعدوهم وبعدين لقينا كمين تاني معمول مخصوص وفي عربيات أمن مركزي ووقفونا هناك ومفيش تعدية وابتدت الخناقات”. وتضيف حفصة: “مرضوش يعدونا. معندناش أوامر اننا نعديكوا. انتوا ممنوعين تعدوا. فكان القرار في ساعتها إن مدام مش عارفين نعدي مش هنرجع بيوتنا وهنقعد عالأرض. احنا نفس اليوم قعدنا لحد المغرب وبعد كده نزلنا هنا في أسوان.” بالتالي، في اليوم الأول عندما اصطدمت القافلة بالكمين الثاني الذي رفض السماح لها بالمرور، تم اتخاذ قرار الاعتصام في أماكنهم في الصحراء على طريق أسوان- أبو سمبل. وكانت مشاركة النساء من الصباح الباكر وحتى المساء إلا أنهن لم يستطعن المبيت في القافلة. تقول آيات عثمان: “أنا أول يوم رحت عشان كنت حاسة ان هيحصل حاجة والموضوع مش هيعدي على خير وطلعت معاهم وقعدت معاهم اليوم بنهاره ورجعت في آخر اليوم. هو مفيش قاعدة بتقول ان البنات متباتش بس معروف ان البنات مينفعش تبات في الاعتصامات. ممكن حد يقول لبنت مننا على الساعة 11 مش اتاخرتوا بقى”. وبالتالي أصبحت مشاركتهن مرهونة بقدرتهن على التنقل يوميا إلى ومن الاعتصام. وبالطبع واجهت بعض النساء المشاركات عوائق في الذهاب بشكل يومي إلى القافلة بسبب القيود الخاصة بحرية الحركة ورفض الأهل أو الزوج، فمثلا تقول إحدى النساء المشاركات “مطلعتش يوم 19 لأن اتضغط عليا من حد في الأمن يعرف قريب في عيلتي واتضايق جامد. بس انا وجوزي متفاهمين، جوزي لما شافني إن انا متضايقة طلعت تاني يوم.”
 
“تاني يوم انضملنا بنات من هنا من أسوان”، وتحركت النساء صوب القافلة لمشاركة نظرائهن الذكور في الاعتصام، إلا أنهن فوجئن بعدم السماح لهن بالمرور من كمين كركر، وكان قد أصبح معروفا أن التواصل منقطع عن الاعتصام وغير مسموح بمرور الأكل والمياه، “تاني يوم فوجئنا انهم مش بيعدوا اي حد من كمين كركر. احنا بقى قررنا ناخد اكل ونروح. كنا ستات بس أنا وحفصة ووفاء. الضابط قالنا انتوا رايحين فين قلناله داخلين كركر قالنا لا. الضابط اللي قاعد قالنا فين الرابعة الرفيعة اللي كانت معاكم. وبعدين قالنا مش هيعدوكوا من هنا حاولوا تعدوا من المدق والمدق ده بيعدي منه المهربين فهو لو ضرب طلقة في المدق انت ملكيش دية عادي وقال قابلوني الساعة 3 وانا هعديكي من المدق”. رفضت النساء والناشطات المشاركات المرور من المدق لما يشكله ذلك من خطر عليهن وقررن بعد انتظار طويل في مكان الكمين الرجوع إلى الاتحاد.
 
لاحقا في نفس اليوم بدأت عدة نساء من توشكى في الاحتشاد من أجل المرور خاصة أن أبنائهنأزواجهن كانوا داخل الاعتصام. حاولت نساء توشكى مع عضوات الاتحاد اللاتي كن متواجدات منذ الصباح المرور لكن دون جدوى. تروي ن. إحدى المشاركات من توشكى: “فوجئنا بالليل ان هما موصلوش المعبد وانهم واقفين في الحتة دي والشرطة موقفاهم. مكانش في أكل ومكنش في غطا قضوا يوم السبت ده في البرد. قبل ما يقطعوا التليفونات منعرفش ارسال ولا شحن اللي كانوا قاعدين معاهم قالوا محتاجين اكل وغطا. فرحنا تاني يوم الاعتصام رفضوا الشرطة يدخلونا.. ده كان تاني يوم .. في ظابط قعد يزعق وكده فقلتله دول ولادنا وانتوا عندكوا ولاد انتوا ليه حاجة متقبلوهاش على نفسكوا تقبلوها على غيركوا. ليه مانعين الأكل والمياه. كنا 4 وكان معانا مياه وغطيان وكده”. وتكمل سهام: “ققرنا ننظم نفسنا وقررنا خرق الكمين.  كنا 30 -40 واحد منهم 8 ستات. وقالولنا داخلين فين وقلنا كركر وملكش فيه داخلين على رجلنا.. مكلموناش كستات، بدؤوا يشتبكوا مع الولاد والضابط مسك واحد كبير وقاله مينفعش اللي انتوا بتعملوه ده ففي ست كبيرة قالتله احنا عيالنا هناك قالها احنا بنكلم الرجالة. في اللحظة دي قالولنا العربية دي هتعدي وعدينا بعربية نص نقل فاحنا عدينا كستات بالاكل والبطاطين. وصلنا هناك وكانوا بيفكروا يفضوا الدنيا لان مفيش اي اتصالات ومش عارفين الدنيا في ايه ومش عارفين ان الناس بتساندهم ومفيش اكل ومفيش مياه ومفيش حاجة. قعدنا لحد الساعة 1011 وستات توشكى روحوا معايا”.
 
وأدى خرق  النساء للكمين إلى تسمية هذا اليوم (اليوم الثاني من الاعتصام) “قافلة فك الحصار” والتي تم إبراز مشاركة النساء وربطها بالدعم بالمواد الغذائية والمشروبات، يقول محمد عزمي: “دور البنات ابتدى يتفعل بعد تاني يوم. تاني يوم مفيش اكل ولا شرب ومكانوش بيدخلوا حد من الكمين وقفوهم اكتر من 12 ساعة. السيدات في قرية كركر كان لهم دور غير عادي تاني يوم مكنش في أكل فتالت يوم ابتدينا ندور مفيش اكل ولا شرب مفيش انترنت. لفينا بعربية والستات بقوا يطلعولنا مخزون البيوت بتاعهم. تالت يوم الصبح كلمت وفاء وسهام قلتلهم لازم تخشوا مفيش حل الناس نفسيتها ابتدت تتأثر فعملوا قافلة فك الحصار وابتدت وفاء وسهام. الناس كانت هتمشي وبعدين الستات جم رايحين فين ده احنا جايين ندعمكم”. آما المشاركات فيروين عن أسباب مشاركتهن: “احنا عايزين ندخل اصلا الاعتصام هي دي الفكرة مش الأكل، الفكرة دي اتضايقت جدا منها. احنا اول يوم رحنا معاهم ودخلنا كبنات مكنش معانا اكل كنا رايحين معاهم. احنا استخدمناها أداة تاني. تالت يوم دخلنا كبنات من غير اكل ولا اي حاجة.”. وتؤكد ن: “انا ام واحد من اللي كانوا هناك بس حتى لو مليش حد هناك كنت هروح عشان دول ولاد بلدي مش عيب لما الواحد يطالب بحقه”، أما م. والتي كان زوجها متواجد بالاعتصام تقول: “احنا مكناش رايحين نودي الأكل بس كنا عايزين نقعد معاهم وأي حاجة جاية هشارك فيها. الستات متحمسة عن الرجالة احنا اللي مظلومين وعيالنا اللي مظلومين. حاليا بقى كله متحمس بس الستات هي اللي حاسة بالخنقة وهي اللي تعبانة أكتر.”. ومن ناحية أخرى كان لبعض الناشطات النوبيات خارج أسوان دور حتى إن لم يتمكنّ من المشاركة في القافلة، فمثلا كانت فاطمة إمام مسؤولة عن التدوين الإلكتروني ومتابعة خط سير القافلة ونشر أخبارها.
 
أما اليوم الثالث والأخير من القافلة كان اليوم الذي تم خلاله فض الاعتصام. وبدأ اليوم بتوافد النساء والناشطات للمشاركة في الاعتصام، وكانت تدور نقاشات حول إمكانية الفض. وخلال اليوم الأخير تمكنت النساء والناشطات من دخول الاعتصام، “تاني مرة كانوا قافلين الطريق فمرحناش وبعدين قالوا فتحوا الطريق ولما سمعنا ان الحكاية اتفتحت رحنا بالاكل والحاجة وكده.”. وفي نفس اليوم ليلا زار الاعتصام عمرو أبو اليزيد وبعد ضغط ومفاوضات قرر المعتصمون فض الاعتصام. تروي مروة السيد: “احنا مشينا الفجر يوم الفض استنينا لحد ما عمرو أبو اليزيد جه. قلتله ميصحش اللي انتوا بتعملواه كرجالة ده. عمرو أبو اليزيد كان قاعد مع العمدة.. دخلت قلتلهم ميصحش تتفقوا مع بعض وفي ناس مرمية هناك. العمدة قعد يقول آدي ستات الاتحاد وفي ناس لحد دلوقتي بتهاجمني ان انا دخلت واتكلمت بالأسلوب ده كسِت.”. وتروي عن ردود الأفعال بعد قرار الفض: “في شباب انهار وقعدوا في الأرض ازاي بعد كل ده نمشي احنا عندنا مطالب.”

ما بعد الفض
كانت العديد من الناشطات اللاتي روين شهادتهن غير راضيات عن قرار الفض الذي أخذ في غياب أغلبهن ورأين أن الاعتصام انتهى دون مفاوضات أو تنازلات من قبل الدولة بالرغم من إيمانهن بأهمية القافلة ومحوريتها، فتقول سهام عثمان: “أنا حاسة ان اللي جاي أسوأ.. الاعتصام خلص من غير قرارات ومن غير أي ضمان. هم عرفوا يلعبوها صح السياسيين والنواب اللي تبع الدولة وخلص لأن الشباب لسه صغير واول مرة يشارك. هو الاعتصام عمل مش معملش. بس يعني انت مرضتش تقول انك هتشيل فورقوندي والعيال معتصمة وقلت لما تفكوا الاعتصام هنقول ومقلتش تستنى تقول القرار ده وانت في مؤتمر هنا في أسوان كأنه منة ومنحة ومكسب محصلش. ده عند.. واتحطوا في حتة إنشاء هيئة لتنمية الصعيد. أصلا هيئة إعمار النوبة كان المفروض تتعمل واتكلمنا وطلع مسودتين، ترمي كل ده وتقولي هيئة اعمار الصعيد من المنيا لغاية اسوان. لو قلت إعمار أسوان كانت مبلوعة بس تحطني وسط الصعيد كله يبقى  مفيش حاجة اسمها نوبة”. وتضيف آيات “بخاف من الخطوات الكبيرة لما بتموت عشان مبتحياش تاني بسهولة”.
 
تلى القافلة مباشرة لقاء بين الأعضاء الممثلين للقافلة أو ما يسمى بتنسيقية القافلة مع مجلسي الوزراء والنواب قاموا فيه بعرض مطالبهم والاتفاق على عدة نقاط منها تشكيل لجنة من مجلس الوزراء تكون مجموعة من منسقي القافلة أعضاء بها للاطلاع على الخرائط لاستبعاد فورقندي من المشروع ومناقشة قانون هيئة تنمية وإعمار وتوطين أهالي النوبة بالبرلمان وغيرها. إلا أن اللجنة التنسيقية التي مثلت القافلة خلت تماما من النساء. كما عقب فض القافلة ثلاث مؤتمرات خاصة بعرض مطالب المعتصمين في فندق بسمة صباح الفض وفي قرية عنبية وفي توشكى، وواجهت بعض الناشطات أشكال من التمييز  في هذه المؤتمرات. وتروي إحدى المشاركات في الاعتصام عن مؤتمر بسمة: “رحنا المؤتمر. كان عامله مصطفى بكري وعمرو أبو اليزيد والنائب ياسين في فندق بسمة. وانا اتخانقت..ده مؤتمر صحفي كان المفروض شباب الاعتصام يتكلموا عن مطالبهم. بدأ النائب ياسين يقول انا بشكر وبشكر وعايزين يخلصوا الساعة 2 وهو بدأ 1. حاسين ان المؤتمر شو إعلامي. حفصة بتتخانق من ناحية وانا من نايحة ابتدوا رجالة كبار يقولولي متتكلميش بصوت عالي انا بقولك اهو انا عمك هضربك  قلتله انا مليش عمام هنا ومحدش له ضرب عليا. انا كنت متغاظة من قرار الفض فكان بيطلع عليهم”. ويومها قرر بعض النشطاءات النوبيين رفع اللافتات في فورقوندي بعد فض الاعتصام وعدم وجود كمائن أو تدابير أمنية، “العيال قرروا وطلعنا فورقوندي فوق وقعدنا نص ساعة كتبنا لوح ورفعناها هناك ورجعنا”.
 
أما عن مؤتمر توشكى، فتروي ن.: “يوم المؤتمر هنا في توشكى مكانوش راضيين الرجالة اننا نتكلم في الميكروفون. كنا بنكتب السؤال في ورق والراجل هو اللي يقول السؤال. قلنالهم المرة الجاية ادوا للستات كمان الحرية يتكلموا..الستات في منهم لموا حاجات حتى لو مراحوش.”. وعبرت أغلب النساء إخلال رويهن للأحداث أنهن يعتبرن القافلة حدث سياسي مهم وربما غير مسبوق في الحراك النوبي، وأنه حمس العديد من الشباب للاشتباك مع القضية وأكدن جميعا أنهن عازمات على استكمال مشاركتهن في الحراك وأي فعاليات قادمة. إلا أنهن عبرن عن قلقهن من انتهاء الاعتصام دون تحقيق المطالب ودون وجود خطوات قادمة واضحة.

الممارسات التمييزية التي تتعرض لها الناشطات النوبيات على أساس نوعهن
 
من خلال شهادات النساء والناشطات يظهر أن في أغلب الأحيان لم تكن هناك انتهاكات جسدية أو جنسية في الاعتصام نفسه، بل كما كرر عدد من النساء كان التعامل معهن من قبل الرجال المعتصمين بشكل مباشر به قدر من التقدير، أو على الأقل عدم تعرضهم لهن بسوء، “الشباب هناك مكانوش بيضايقونا خالص”. إلا أنه كان هناك العديد من  الممارسات الأبوية ، بل. وبالرغم من مشاركة النساء في القافلة وعدم تعرضهن لأشكال واضحة من العنف، إلا أن هناك بعض أنماط التمييز التي ينبغي تحليلها.
 
لا تعتبر هذه الأنماط خاصة ب”قافلة العودة”، بل يجب وضعها في سياق الممارسات التمييزية التي تمنع النساء والناشطات من ممارسة نشاطهن بحرية سواء كان متعلق بالقضية النوبية خصوصا أو في المجال العام عموما. وبالتالي يهدف هذا الجزء ليس فقط لرصد الانتهاكات أو الممارسات التمييزية خلال قافلة العودة ولكن أيضا لعرض تجارب النساء اليومية في الاشتباك مع الحراك النوبي. التركيز الأكبر في الروايات التالية هو على “الاتحاد النوبي العام بأسوان” لأن أغلب الراويات هن عضوات بالاتحاد، ليس لأنه التنظيم الوحيد الذي يمثل النوبيين،هناك العديد من التنظيمات الأخرى التي لا تتطرق لها الورقة ولا لأشكال التمييز داخلها.

تمثيل النساء وآليات اتخاذ القرار
ربما تكون الملاحظة الأولى هي المتعلقة بدور النساء في اتخاذ القرارات سواء في الأمور المتعلقة بالقافلة أو في نشاطهن كنوبيات وداخل تنظيماتهن إن وجدت. فبالرغم من مشاركة عدد من النساء في القافلة ودورهن البارز في الحشد والتواجد في الاعتصام يوميا، إلا أن أغلبهن  وضحن  أن القرارات المصيرية يتم أخذها دون التشاور معهن. ولا يعني ذلك بالضرورة منع النساء من التعبير عن رأيهن أو منعهن من المشاركة، ولكن عدم الوضع في الاعتبار الظروف التي تعوقهن عن التواجد أثناء اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بالقافلة وبالتالي يتم اتخاذ القرارات في غيابهن باعتباره أمر عادي. فجميع النساء الموجودات لم يتمكن من المبيت في الاعتصام  و المكوث حتى آخر الليل والعودة في الصباح الباكر. ولم يوقف ذلك المشاركون في القافلة من اتخاذ القرارات في نهاية اليوم في غياب شبه كامل للنساء وكان ذلك على سبيل المثال واضحا فيما يتعلق بقرار فض الاعتصام. فاتُخِذ قرار الفض فجر اليوم الثالث من الاعتصام وبالتالي تم أخذه في غياب أغلب النساء المشاركات في الاعتصام واللاتي يضطررن إلى الرحيل مساءا.و تجاهل لضرورة تواجد النساء مثل نظرائهن الرجال أثناء اتخاذ هذا القرار، أو أن هناك وعي مشترك بين هؤلاء الرجال أن صنع القرار هو حق يرجع لهم، وأن لا مانع من أن تستيقظ النساء المشاركات في الاعتصام ليسمعن خبر فضه مثلهن مثل أي مواطن لم يمر على الاعتصام. وتشكل هذه الآلية في اتخاذ القرار تمييزا واضحا ضد النساء لا يمكن مقارنته باتخاذ القرارات في غياب ِشخص ما أو أشخاص لم تسمح لهم ظروفهم بالتواجد أثناء اتخاذ قرارات معينة، حيث أن غياب النساء يرجع إلى سبب بنيوي وهو القيود التي تفرضها الأبوية على حريتهن (ففي الأغلب لن يقبل أغلب الرجال المشاركين في الاعتصام نفسهم مبيت النساء)، كما أنه سبب يحرم فئة (أو نوع) كامل من المشاركة. تعبر ف.ن عن ذلك”خدوا قرار فض الاعتصام الساعة 3 الفجر .. لو كنا موجودين مكنوش هيفضوا. القرار طلع بشكل ذكوري أوي مبصوش للأطراف الموجودة التانية وبشكل فردي. ساعتين تلاتة كان القرار خدوه وصحيت الصبح قالولي الاعتصام اتفك وفي اجتماع.”.
 
وتم ذكر هذه الشكوى من قبل الناشطات أيضا فيما يخص اختيار أعضاء اللجنة التنسيقية والتي كانت خالية من النساء تماما. تقول ر.م: “احنا مكناش مشاركين في القافلة بالنسبة لهم. بالليل هم اختاروا 10 شباب انهم يبقوا منسقين ..اللجنة التنسيقية اتعملت ازاي، ومين اختارهم.. احنا كمالة عدد لأن من الأول مكناش بنقعد مع بعض نتكلم. احنا لقينا في فريق في اتفاقات ما بينهم واحنا بنكمل الاتفاق. بنروح زينا زي اي حد بنسأل”، وتضيف: “أنا مشفتش حد من مجلس الإدارة شجع مشاركتنا أو حسسك بأهمية تكوني موجودة احنا كنا بننزل من نفسنا ونجيب أكل وكده. لما الدنيا هديت وعملوا مؤتمر صحفي في الاتحاد.. مفيش اجتماع اتعمل للي هم اختاروهم محدش قالنا تعالوا شاركوا في اجتماع تحضيري عشان ال12 دول رايحين مجلس الوزراء. عالأقل محتاجين رأيكوا معانا حتى لو مش هنروح ..احنا بالنسبة لهم كنا كمالة عدد. انا كان نفسي أي عنصر نسائي، تبقى واحدة ست دخلت بغض النظر هتقول ايه جوة”. وتؤكد ف.ن: “لما حصل موضوع الحكومة مكنش في من قبلها اختيار بمعايير لمين هيقابل الحكومة ووقتها مكنش في مجال اننا نتخانق”.
 
وظهر إقصاء آراء النساء أيضا في الاجتماعات التي تلت القافلة كما تم الإشارة إليه سابقا: “في مؤتمر توشكى كنت عايزة اقول كلمة قالولي اكتفوا بالكلمة”. وتؤكد ر.م على هذا الكلام: “كان في اجتماع في توشكى ومحدش دعانا شخصيا. الأول مكنش في سيدات خالص بس روحنا. لما يحسوا ان حد فينا هيتكلم كانوا بيحسسونا لا مش هنتكلم هنا لينا مكان تاني نتكلم فيه.”. وبالتالي لا يجب التوقف عند مشاركة النساء وتواجدهن في الاعتصامات والمؤتمرات باعتباره دليل كاف على المشاركة المتساوية أو عدم التمييز ضدهن، فيجب تحليل شروط هذه المشاركة وحدودها كذلك. فبينما احتفى المشاركون مثلا بدور النساء في كسر الكمين لإدخال المياه والمأكولات، لم يكن هناك اهتمام بتمثيلهن في اللجنة التنسيقية ومقابلة مجلس الوزراء أو في المؤتمرات التي تلت القافلة. وتعبر أ.ش عن ذلك “هم مبيستعنوناش اننا نحضر الحاجات دي”. ويذكرنا ذلك بالتعامل مع النساء في الأحداث السياسية الكبرى بشكل عام، فبينما يتم الإحتفاء بمشاركتهن في النضال من أجل قضية ما (التحرر الوطني الثورة الحرب، إلخ)، يتم إقصائهن أو عدم الاهتمام بتمثيلهن في العملية السياسية التي تعقب الحدث (انتخابات- تمثيل سياسي- كتابة الدستور، إلخ).
 
وتظل رؤية دور النساء من قبل زملائهن تقليدية إلى حد كبير، ويتم حصر هذا الدور في “الدعم” و”المساعدة” أو القيام بأدوار متوافقة تماما مع تقسيم الأدوار الجندرية مثل توصيل المياه والغذاء. ويظهر بوضوح في قافلة العودة التباين بين رؤية النساء لدورهن وكيف فهم الرجال هذا الدور. فبينما احتفى عدد من الرجال  المشاركين بالاعتصام بمشاركة النساء، فكان تركيزهم على ما اعتبروه “دورهن الحقيقي” الذي بدأ عندما كسرن الكمين لتوصيل الإعاشة، بينما هن متواجدات منذ اليوم الأول للاعتصام، بل ومنذ التحضر للقافلة والحشد في القرى. بالتالي، يتم تسليط الضوء على دورهن في دعم الرجال الذين انقطعت عنهم المياه والأكل وسبل التواصل مع العالم الخارجي لا كشركاء كاملين، وهو ما يعزز ما عبرت عنه ر.م. باعتبار الرجال المشاركين في القافلة لا يعتبرون هؤلاء النساء فعلا مشاركات معهن بل زوار وداعمات للاعتصام. ورأت النساء مشاركتها في القافلة بشكل مختلف تقول ح: “أنا شاركت عشان فورقندي أرض نوبية والاسم اصلا نوبي. فأنا بحارب على حاجتين، الأرض النوبية محدش هياخدها وانا هحارب عليها. لكن كمان المشروع كله لازم يتعدل مش بس عشان الأرض النوبية “. أما ن. وهي والدة أحد المشاركين في الاعتصام اللاتي شاركن في قافلة فك الحصار فتقول: “أنا مش جاية عشانه .. أنا جاية عشان دول كلهم ولو مكنش هنا كنت هاجي برضه”. أما ن.أ فتقول: “أنا شاركت عشان القضية نفسها.. حقوقنا رايحة والنوبيين مظلومين. مكنش ليا حد هناك .. بس ناسي .. عايزين نرجع لأراضينا تاني.. أي نعم أنا مقعدتش في البلد بس من اللي بسمعه من أمي انا عايزة ارجع”. وتؤكد م: “انا مكنتش عايزة يفضوا. لو كانوا كملوا كنا قعدنا معاهم”.
 
ولا يجب رؤية أشكال التي تعرضت لها النساء والرؤية القاصرة لدورهن بمعزل عن ديناميكيات العمل في المجال العام، وعن ما يتعرضن له من خلال نشاطهن في القضية النوبية وفاعلياتها السابقة وداخل الاتحاد أو التنظيمات النوبية الأخرى. فأولا لم يكن هذا الاعتصام الأول التي شعرت فيه النساء ببعض أشكال التهميش، فتروي ل.أ عن اعتصام 4 سبتمبر 2011 والذي استمر لمدة 11 يوم: “قرروا اعتصام في سبتمبر عن حق العودة بما ان في ثورة وتغيير والناس بتطالب بحقوقها. أول يوم كان في مشاركة ستات كتير اوي من التهجير ومن هنا من أسوان كنا بنروح وبنيجي عالاعتصام عشان مفيش بيات للبنات هنا. كان في شابات وبنات كبار بالذات من التهجير اول يوم ده كان في اوتوبيس جاي بستات. بس فكرة ان انت بتروحي وتيجي عالاعتصام ده مش معناه ان انت مشاركة في الاعتصام او اللي عرفته بعد كده ان انت مش مشاركة في القرار؛ انت مش عارفة الاعتصام ده هيخلص امتى وايه اللي هيحصل بكرة ومين بيعمل ايه ومين يوقف الشارع ومين يفتحه. ساعتها مكنتش عارفة القرارات دي بتتاخد ازاي بعد كده عرفت ان في مجموعة كده يعتبروا محتكرين القرارات والقرار بيجيلي المفروض يتنفذ وانا بروح من 9 الصبح لحد 9 او 11 بالليل محدش بيسألني. في الحاجات الكبيرة ممكن تتقال في الميكروفون بس في اليومي لا.  إدارة الحاجات مكنتش بتوصلنا في نفس الوقت. وكان المفروض بعدها في اجتماع في مجلس الوزراء مع عصام شرف. في ستات شاركت في الاجتماع ده بس كانوا من القاهرة. هم جم تاني يوم الاعتصام ومشيوا. كنا مستنيين القرارات ويومها طلعت ورقة بوعود كتيرة وعلى اساسها تم فض الاعتصام. هي ورقة غير ملزمة ولما عصام شرف مشي اترمت في الزبالة”.
 
تتشابه تجربة ل.أ في اعتصام 2011 مع تجارب باقي النساء في قافلة العودة حيث التهميش في اتخاذ القرارات والتمثيل السياسي بالرغم من المشاركة في أحداث الاعتصام. وربما تضيف ل.أ  في هذه الشهادة أنه حتى عندما تم دمج نساء في وفد مجلس الوزراء بعد اعتصام سبتمبر 2011 تم تفضيل نوبيات من خارج أسوان وعدم إشراك المشاركات في الاعتصام ربما لأن رؤيتهن للنساء النوبيات القاطنات بأسوان – خاصة أن الكثير منهن شابات – قد تكون أكثر محافظة – وأحيانا دونية- مقارنة برؤيتهن للنوبيات القاهريات خاصة الحاصلات على مستوى تعليم عال أو معروفات بنشاطهن السياسي. وقد يكون هناك اعتبار أنه لا يجب سفر الشابات النوبيات إلى القاهرة والمبيت هناك من أجل المشاركة في الاجتماع.
 
ثانيا، لا تقتصر هذه الأنواع من التهميش على الاعتصامات أو الفعاليات الكبيرة،  فدور النساء في الاتحاد النوبي يعزز أيضا الصورة السابقة، فيوجد تمثيل جيد للنساء في عضوية الاتحاد، بل وفي توليهن المناصب القيادية، إلا أن ذلك لا ينعكس دائما بشكل فعلي على قدرتهن على اتخاذ القرار ومساواتهن الكاملة بزملائهن الذكور. يقول محمد عزمي: “بالنسبة لنا كاتحاد تلت مجلس الإدارة ستات، فمشاركة البنات بالنسبة لنا كاتحاد طبيعي. احنا كاتحاد نوبي بنتشتم بسبب ان في بنات بتشتغل معانا. لأن خلينا نبص عالمجتمع اللي بنشتغل بيه هو مجتمع مقفول واختلاط النوبيين بمجموعات مختلفة ثقافيا عنهم خلى ثقافتهم تتغير وابتدت نظرتهم للنساء تختلف وفيه العيب والست متشاركش. لكن احنا بندعم مشاركة الستات طول الوقت”. وبالفعل، ترأس النساء عدة لجان بالاتحاد حاليا ومنها لجان الإعلام، والتخطيط والمتابعة والمرأة والصحة واللجنة الاجتماعية إلا أن ذلك لا يعطي الصورة الكاملة، ويجب الانتباه إلى ثلاث عوامل: أولا نوع اللجان التي يتم إشراك النساء فيها ودور لجنة المرأة، ثانيا المواقع التي تمنع النساء من توليها، ثالثا المشاركة الفعلية للنساء في صنع القرار بالرغم من وجودهن في مناصب قيادية.
 
في أغلب الأحيان، يتم الترحيب بوجود النساء في مناصب أو لجان بعينها ينظر لها أنها  من اختصاصات النساء مثل اللجنة الاجتماعية ولجنة المرأة، من منظور أن هذه اللجان مسئولة عن تنظيم الأنشطة الثقافية والندوات والمعارض والأشغال اليدوية: “بشكل يومي بيعتمدوا ان الستات تشيل الشغل الثقافي والاجتماعي الاتحاد شغله تلاتة اربعة قايم على شغل البنات معندهمش اي مشكلة يطحنوكي شغل بس متمثليش الاتحاد كرئيس أو نائب”. وتقول ر.م. “مسكت اللجنة الاجتماعية في الاتحاد في 2012 او 2013. المجلس اللي فات خدتها تزكية ومحصليش مشكلة في اني امسك اللجنة الثقافية. هما شايفين ان في كام لجنة كده ملهاش أهمية فمش بيتخانقوا ان مين يمسكها، الخناقة بتبقى على الرئيس والنائبين الباقي عادي المهم شغل”. أما عن لجنة المرأة، فدورها داخل الاتحاد مقتصر على المعارض السنوية والعمل اليدوي.. لجنة المرأة بعيد أوي وملهاش دعوة خالص بالقرارات السياسية، كمان الستات في الاتحاد او لجنة المرأة قالوا ان محدش قالهم عالقافلة ومحدش اتكلم معاهم وابدوا ترحيب انهم يطلعوا”.
 
بالتالي لا تواجه النساء بشكل عام عوائق في الانخراط في العمل أو في المشاركة بل وتتقلد العديد من المناصب القيادية طالما لم يقتربن من مناصب “الرئيس أو نائبي الرئيس”. في أغلب الأحيان لا يتم تقبل ترشح النساء في هذه المناصب بالرغم من عدم وجود قرار مكتوب إلا أنه عرف سائد. ومؤخرا تم نشر توصية على صفحة الاتحاد النوبي بعد إعلان فتح باب الترشح على منصب رئيس الاتحاد ينص صراحة على عدم أحقية النساء في الترشح على منصب الرئيس، وهو ما يخالف لائحة الاتحاد بوضوح. ويعد هذا القرار مثالا جليا على الثقافة السائدة في الاتحاد الخاصة بعدم تولي النساء مناصب بعينها ووصل الأمر إلى حد الإعلان صراحة عن منع النساء من الترشح. وقد تم التراجع عن هذه التوصية في الجمعية العمومية التي اجتمعت يوم 24 أبريل 2017 بعد حملة ضغط واسعة. ومن المرجح أن هذا القرار أتى بعد إعلان إحدى عضوات الاتحاد عن نيتها للترشح. وإلى جانب الرفض لترشح النساء في هذه المناصب، كانت هناك تجربة واحدة لإحدى عضوات الاتحاد في منصب نائب الرئيس، وتعرضت خلال توليها هذا المنصب إلى عدة عوائق مرتبطة بنوعها وتصل إلى منعها من ممارسة دورها في بعض الأحيان. وتقول: “حصل خناقة كبيرة في 2012 لما مسكت نائب الاتحاد. خلوني نائب تاني مش نائب أول لأن لازم النائب الأول يبقى ولد. ده مش مكتوب في حتة لكن مفهوم. النائب الاول مكنش موجود اصلا طول الفترة ففعليا انا كنت النائبة الاولى وده كان عاملهم ربكة وحصل خناقات. مثلا أيام مشكلة الدابودية والهلايل كان في اجتماع في قرية كلابشة. الرئيس مكنش موجود فمين هيتكلم؟ المفروض النائب بتاعه. قالوا لا مش هينفع دي بنت واكبر واحد هو اللي هيتكلم. وحطونا قصاد بعض انا وعم ر. الموضوع ان في رجالة أو شباب مش عايزين ست تتكلم. بقالهم سنة متضايقين من وجودي بس اللائحة بتقول 1 2 3 ، مينفعش متتنفذش ويطلعوا بافتكاسة، أمال انتوا طول السنة دي ايه بتتعاملوا معايا على اساس ان انا مرمطونة مش نائب؟ مستكترينها عليا”، وتضيف: “النائب بينتخب وكانت فكرة ان نائب تاني مقبولة بس لما النائب الأول كان مش متواجد فأنا قمت بدوره ده اللي حطهم في مشكلة.”. وتوضح تجربة ل.أ في الاتحاد عن عدم القبول الواسع لوجود النساء في المناصب القيادية حتى عندما يتم انتخابهن فيها بالفعل، فلا يتم السماح لهن بالقيام بدورهن بشكل كامل ويتم مخالفة اللوائح التنظيمية لمنع العضوات المنتخبات من ممارسة أدوارهن. وتضيف ل.أ: “في 2014  كنت عايزة ادخل كرئيس للاتحاد وحصل خناقة كبيرة وفي الآخر منزلتش.”.
 
ولا تحظى النساء عضوات مجلس الإدارة بنفس القدر من الأهمية في صنع القرار، فمثلا كانت هناك وقائع باتخاذ قرارات بعد الاجتماعات الرسمية والتي غالبا ما تكون النساء غير متواجدات بها لتأخر الوقت، إلا أنه تم تفادي هذا الخطأ بعد اعتراض عدد من عضوات مجلس الإدارة. كما أن في الأحداث الهامة مثل القافلة الأخيرة تم أخذ قرارات مثل الفض واختيار أعضاء التنسيقية دون أخذ رأي عضوات مجلس الإدارة لعدم تواجدهن في الاعتصام ليلا، وذلك باعتبار أن تمثيل الاعتصام مختلف عن تمثيل وإدارة الاتحاد نفسه. “هو قدامنا تمام ورايكوا مهم ومؤثر بس من بره لا. اي عضو فيهم بيقول كلام عادي ده حقه وبيتاخد بيه وبياخد قرار انما انتي لازم تتخانقي ولازم تبقى معركة عشان يتاخد بيه مش حقك الطبيعي.”
 
ويعد هذا التمييز جزء مما تتعرض له النساء النوبيات في نشاطهن حول هذه القضية وفي المجال العام، تروي ف.ن عن ترشحها في إحدى الانتخابات: “كان بيتم الهجوم عليا بشكل خاص ان انا اللي كسرت العدد وان انا اللي عملت تفرقة. الاتحاد مدعمنيش ومش فاكرة ان حد من النوبيين دعمني بشكل قوي لان برضه عندهم ليه ادعم واحدة ست وفي 5 رجالة فليه واحدة ست”. وهناك أيضا ممارسات مشابهة في التنظيمات النوبية الأخرى حتى خارج أسوان، تروي غ.س: “بعد الثورة اتعرفت على اتحاد الشباب النوبي الديمقراطي. هو في القاهرة، اتعمل في 2009 واتوقف نشاطه في 2013. كان ال3 المؤسسين رجالة. كان موترني حصر البنات في اننا نعمل أنشطة غير سياسية – جينا في 2012 عملنا فاعلية في التهجير والبنات كلهم كانوا متحمسين انهم يعملوا لوجستيات”، وذلك بالرغم من وجود تمثيل جيد للنساء داخل المجموعة (5 نساء من أصل 12 أو 13 عضو). وتكمل غ.س: “المكتب التنفيذي الأول اختاروا المؤسسين وبعدين قالوا ياخدوا بنت. تكتل الستات كان في اللجان الثقافية والاجتماعية.” وواجهت غ.س. ممارسات تمييزية أيضا بها نوع من الوصاية: “بيعاملوني بشكل مختلف عشان السن واللي بيحميني التعليم واسم عيلتي.. أفتكر مرة كان عصام العريان نشر مقالة قال ان النوبيين غزاة فاحنا استاءنا جدا وعملنا وقفة في النادي النوبي العام اعتراضا، فصوتي علي وابتدوا يتعاملوا معايا على ان أنا بنتهم ومتعليش صوتك وانا ابوكي. وناس قالتلي انتي مجتمع مدني وممولة واحنا بناتنا مبيناموش في الميدان قلت له على فكرة انا بنام في الميدان… كونك أنثى في المجتمع النوبي مش أسهل حاجة”.
 
يجب أيضا الانتباه إلى أن إشكالية آليات اتخاذ القرار وعدم إشراك النساء فيها هي بالأساس جندرية ولكن هناك مشكلة تنظيمية أوسع داخل الاتحاد النوبي وفي بعض الاعتصامات خاصة بعدم وجود آليات شفافة وواضحة لاتخاذ القرارات في الفعاليات الكبرى مثل الاعتصامات وعدم وجود معايير واضحة للاختيارات الخاصة بالتنسيق السياسي أو آليات تقييم للفعاليات الكبرى.

تقاطع المجالين العام والخاص
لا تعد أشكال التمييز السابقة هي الوحيدة التي تتعرض لها النساء المنخرطات في المجال العام، ولا تقتصر الممارسات التمييزية على المجال العام فقط. فمن منظور نسوي، هناك ارتباط وثيق بين ديناميكيات القوى في المجالين العام والخاص، ويؤثر أحدهما على الآخر. لا تبدأ رحلة النساء وعملهن من أجل أي قضية سياسية من لحظة اشتباكهن مع هذه القضية في المجال العام، بل غالبا ما يبدأ من محاربتهن للقيود المفروضة على حرية حركتهن واختيارهن في المجال الخاص، “كل واحدة فينا عشان تطلع من البيت صعبة.. هتعملها ازاي.انا اخويا وامي عارفين انا بعمل ايه وبتكلم معاهم فهما متقبلين ولا مش متقبلين بس لازم اتكلم معاهم لان وارد حد يشوفها في الشارع فيقولها انا شفت صورة ر. عالفيس او في التلفزيون. لازم يبقوا الجبهة بتاعتي تقول اه هي بتعمل واحد اتنين تلاتة وانا عارفة”.  وإن كانت ر.م. محظوظة في إدارتها للمعركة مع أسرتها التي قد تتفهم مشاركتها في الفعاليات سياسية تارة وتارة لا، فهناك ناشطات أخريات يضطررن إلى إخفاء مشاركتهن في الفعاليات السياسية والاحتجاجية أو يتم منعهن من المشاركة من قبل أسرهن. تروي أ.ش، وهي لها أخت أيضا منخرطة في المجال العام، أن أثناء فاعليات القافلة كان يجب أن يتبادلن الحضور أو أن تمكث هي في البيت أحيانا حتى لا يلاحظ الأب غياب ابنتيه أو يشك في مشاركتهن في القافلة. وبالطبع حد ذلك من مشاركة أ.ش. في القافلة. ولا يعد ذلك تمييزا فقط من الحد من حرية حركتها، ولكنها قد تتعرض إلى أشكال مضاعفة من التمييز من قبل زملائها بسبب ضعف مشاركتها. وفي أحيان أخرى لجأت الدولة إلى أساليب مثل التواصل مع الزوج أو الأقارب لمنع النساء من المشاركة وهو ماحدث بالفعل مع د.ع حيث تم منعها من قبل أحد أفراد العائلة من المشاركة في أول أيام الاعتصام.
 
ولا يقتصر تقاطع المجالين العام والخاص على الحد من اختيارات النساء، بل يوضح أيضا تعامل الرجال مع النساء في المجال الخاص رؤيتهم للنساء الناشطات في المجال العام. فتروي ر.م. على سبيل المثال عن المشاركين في القافلة أعضاء الاتحاد: “مفيش مضايقة مباشرة بس في حاجة فيها رسالة غير مباشرة.. يعني احنا معانا 14 ميكروباص كل واحد في 15 ولد من قرية انا قلت عندي مقترح كل واحد فيكوا هاتوا حد يخصكوا، مش عايزياك تحشدلي من برة. معندكش أخت؟ عندك هات أختك ومراتك معانا واحجزلهم مكان جنبك برضه في الميكروباص. أنا كده معايا 15 ولد و15 بنت من غير ما أعمل حاجة. ما أنا مش هتبسط أوي لما تقعد تقولي برافو يا بنات انتوا معانا وبسمعه يهمس يذم في واحدة فينا… هو ميرضاش اخته تيجي”، وتكمل: “انا مبشفلهمش اخت.. بنت خالة.. بنت عم.. بنت أي حاجة.. انا سمعتها قبل كده من واحد معانا في مجلس الادارة. وانا سمعته بيقول لواحدة قريبته جت مرة الاتحاد اوعي تيجي.. رجلك متجيش هنا قاللي انا مش قصدي حاجة اصل هي مش فاضية هي مش واخدة زيكوا عالاجتماعيات وكده والبنت قالتلي ان هو قاللي متجيش المكان ده تاني ده كلام فاضي”. لا تنفصل هذه الممارسات عن تجارب الناشطات ، فرفض العديد من الرجال المشاركين في الفاعليات النوبية لإشراك ذويهن من النساء يعطي رسالة للعديد من الناشطات  هناك إشكالية في نظرة زملائهم لهن أو أن هناك حكم أخلاقي على الناشطات بالمجال العام.
 
ان جزء من التمييز المتعلق بانتماء النساء إلى أقلية دينية أو عرقية في المجتمع هو كون هذه الأقلية تتعامل في الكثير من الأحيان باعتبار نسائها هن المسؤولات بالحفاظ على هوية هذه المجموعة وأن من حق جميع رجال هذه الأقلية ممارسة الوصاية على أجساد وحيوات هؤلاء النساء، وكأن كل امرأة في هذه الأقلية من حقهم التشاور حول خياراتها، بل وأخذ قرارات تتعلق بحياتها. تروي غ.س.: “في قرارات شخصية ممكن تتاخد عليكي. كنت مرتبطة بشخص نوبي في الحراك. وكنت حاسة ان رد الفعل انه “انت تخصينا” ازاي تكتبي عالفيسبوك ان انت في علاقة.”. وتضيف حول التمييز المضاعف التي تتعرض له النساء المنتميات لأقليات : “هو تمييز مضاعف. قبل ما اروح اي اجتماع بقعد أفكر هلبس ايه.. مينفعش نص كوم ومينفعش الوان مطرقعة. هم بيعملوا جيتو جزء منها التدين فهما بيدخلوا البنات في ده. لما قلعت الحجاب.. سمعت حاجات زي العفة وبناتنا واحنا مش كده”.

استهداف الناشطات بالمجال العام
بالرغم من عدم تعرض أغلب الناشطات اللواتي أدلين بشهادتهن لأشكال من العنف والانتهاك المباشر خلال أحداث القافلة من قبل زملائهم، إلا أنه تم استهداف بعضهن سواء من قبل الدولة بمعنى الاستهداف الأمني أو – وهذا هو الأغلب- من قبل المجتمع. فمع بروز بعض الناشطات في القافلة وغيرها من فاعليات، قام بعضهن بتلقي تهديدات أو محاولات تشهير مرتبطة بنوعهن وتعرض النساء لهذه الأشكال من الوصم يؤثر بشكل كبير على قدرتهن على النشاط خاصة في المجتمعات الصغيرة مثل المجتمع الأسواني. تقول ف.ن: “في ناس قالت الاختلاط مينفعش..احنا محطوط علينا ان ازاي الستات طلعت الاعتصام ده بس احنا مش هنقف احنا هنواصل. واحنا كشخصيات برزت في موضوع القافلة والناس بتستشيرنا في المحطات المهمة واخذ آراءنا في الاعتبار بقى في ثقة في مجموعة السيدات اللي كانت موجودة في القافلة”، وتضيف: “بيجيلي تهديدات تمس الأخلاق عن طريق حد .. بيبعتوا عالفيس”. وتلقت أ.ش نفس النوع من التهديدات: “حد بعتلي عالايميل صور عريانة لبنت شبهي”. وتهدف هذه المحاولات إلى تخويف الناشطات أو تهديدهن.
 
وتعرضت ل.أ  إلى استهداف علني حيث قام أحد النشطاء النوبيين بوضع صورتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “واحد اسمه ح. قرر ياخد صورنا من الاعتصام اول يوم وصورتي من اعتصام تاني وكتب هل يجوز مشاركة النساء؟” وفي واقعة أخرى كما تروي أ.ش “واحد قال ان بنت معانا “شرموطة” وبنجيبها من عالكورنيش وهي نزلت سكرين شوت والناس قالولها شيلي البوست ومحمد عزمي راح معاها وعمل محضر” وتكمل ل.أ عن استهداف النسات على أساس نشاطهن”وفي واحد كتب شكر للواء مصطفى لأن البنات اللي كانوا معانا اول يوم كانوا يقضوا حاجتهم في الصحراء وهو لحقهم وداهم الحمام وهم تقريبا كانوا عايزين يباتوا واصر ياخدهم ويوديهم بيوت في كركر يباتوا بدل ما يباتوا في الخيم مع الولاد. ده مثلا ناشط ومعانا في الاتحاد و في ستات بيقولولنا بتروحوا ليه وانتوا وانتوا”.
 
لا تعد الإشكالية فقط في تعرض النساء لهذه الأشكال من الاستهداف ولكن في شعورهن أن عليهن مواجهة كل العوائق وحدهن ، نقول ل.أ: “آخر مؤتمر كان في غرب اسوان حوالين نزع ملكية أراضي غرب أسوان، دي قرية الراجل اللي حط الصورة وقال هل تجوز مشاركة النساء. أنا اصريت اروح لان متفتكرش ان انت هتقعدنا في البيت وقريتك نفسها هنروحها سمعنا في المركب دول بنات مش كويسة ايه اللي جايبها.”. وتكمل ل.أ. حول شعورها بالخزي أن زملائها في الاتحاد النوبي لم يساندوها بالشكل الكافي في مواجهة هذا الاستهداف: “في الاجتماع ده ظهرلي ان محدش هيتخانقلك خناقتك هما ترفعوا يردوا على ح. ومردوش حتى عالفيسبوك. مش عايز تخش الخناقة دي. اقل رد اعتبار لو انت عايز تتحمل مسؤولية الخناقة دي المفروض ان لو احنا رايحين اجتماع غرب اسوان كاتحاد نوبي نتجمع وتخش بينا المكان. سألنا عالجروب مين رايح الساعة كام محدش رد هتروحوا الساعة كام محدش رد  واللي رد رد بعد ما وصل – واللي قال الاجتماع بعد العشا- هو مش قادر يقولي متروحيش عشان مشتموش ولا قادر يروح معايا.” وأثر ذلك على نشاط ل.أ بشكل واضح: “هو مأثر عليا. ابتديت احس إن الموضوع مش جايب همه. انا رحت عشان دافع شخصي ان انت مش هتهددني. انا بتشتم عشان القضية دي. مبتردش ليه… لو كان شتم حد تاني كانوا ردوا “. ويُظهر ذلك بشكل واضح عدم اعتبار استهداف الناشطات والتشهير بهن هي أمرا ليس ذو أهمية من قبل زملائهن في الاتحاد،إلا في واقعة  واضحة  مثل التشهير بإحدى الناشطات ومساندة رئيس الاتحاد في المحضر الذي تم تحريره. وبالطبع كان الاستهداف للناشطات المعروفات بكونهن نسويات أو العضوات في مبادرات نسوية أعلى حيث الاتهامات ب”التحرر” و”التمويل”. وتنهي ل.أ شهادتها: “أنا بتخانقلك في خناقاتك عشان القضية بس انت برضه معملتش ده. انا مبقولش لحد تعالى اتخانق خناقاتي اللي بتخانقها على النسوية، أنا بقولك في الحاجات المرتبطة بالقضية”.

خلاصة

إن روايات النوبيات عن مشاركتهن في قافلة العودة ليست توثيق لحدث استثنائي، بل هي عدسة لفهم تجاربهن في الحراك النوبي والمجال العام عموما، وتوابع تواجدهن في هذا المجال وما يتعرضن له من تمييز. برزت مشاركة الناشطات والنساء النوبيات في القافلة بجميع مراحلها بدءا من الحشد حتى الحضور خلال أحداث القافلة وما تلاها من مؤتمرات.بالرغم من عدم ظهور أنماط ممنهجة من العنف الجسدي أو الجنسي خلال أحداث القافلة، إلا أن شهاداتهن كانت دالة على الكثير من أوجه التمييز الأبوي التي تؤثر على تواجدهن بالمجال العام والذي يشمل اشتباكهن مع القضية النوبية. فحضور النساء الملحوظ في القافلة ومشاركتهن المتواصلة في أنشطة الاتحاد النوبي ليست بالضرورة دليلا على إشراكهن في صنع القرار. فيحول دون المساواة التامة للنساء في التمثيل العادل واتخاذ القرارات إما تمييز أبوي واضح يحد من فرص النساء في الترشح لمناصب بعينها مثل منصب رئيس الاتحاد، أو عدم مراعاة للأسباب الهيكلية التي تمنع تواجدهن في سياقات محددة مثل التواجد ليلا في الاعتصام واتخاذ القرارات الهامة في هذه الأوقات. فيبدو أن الترحيب بمشاركة النساء يتوقف عند رغبتهن في لعب أدوار قيادية حقيقية مثل الترشح للمناصب القيادية، أو المشاركة في التفاوض السياسي. تتعرض النساء النوبيات وبالأخص الأصغر سنا ومن لهن نشاط واضح في المجال العام إلى أشكال من الاستهداف والوصم الأخلاقي. وما يجعل معركتهن أشد صعوبة هو كون هذه الممارسات غير مقتصرة على المجال العام، بل إنها تبدأ من المجال الخاص بدءا من تقييد حرية حركتهن ومنع مشاركتهن بالفعاليات السياسية وحتى تأثير الاستهداف السياسي والمجتمعي لهن على علاقتهن بأسرهن ومحيطهن الاجتماعي، وعلى قدرتهن على استكمال نضالهن.
 
لم تكشف شهادات النساء فقط عن الممارسات التمييزية التي عانين منها، ولكنها أبرزت سردية مختلفة عن قافلة العودة كحلقة من حلقات النضال النوبي، تظهر فيها الأحداث من عيون النساء ورؤيتهن لفرص أو معوقات الاشتباك معها. وعززت هذه السردية وجود فجوة بين رؤية النساء لدورهن في الحراك وفهم زملائهن من الرجال لهذا الدور، والذي لا يكون دائما دور كامل ومتساو من وجهة نظرهم. ربما برز ذلك بالتحديد في تحليل دوافع مشاركة النساء في القافلة بين احتفاء أغلب الرجال ب”دعم النساء لهم بالمياه والمأكولات” ورواية النساء عن دوافعهن السياسية للمشاركة في القافلة واستخدام توصيل المياه والمأكولات كأداة. ومع جميع أشكال التمييز التي تواجهها النساء المنخرطات في القضية النوبية، إلا أنهن أبدين عزيمة على الاستمرار والمقاومة.
 
اليوم، تواجه النساء النوبيات وخاصة الناشطات بالاتحاد النوبي تحديا حقيقيا بعد  نشر توصية مخالفة للائحة تمنع ترشح النساء لمنصب رئيس الاتحاد على صفحة الاتحاد.وقد تم التراجع عن هذه التوصية في الجمعية العمومية للاتحاد التي اجتمعت يوم 24 أبريل 2017 بعد ضغط وتضامن من قبل الناشطات النوبيات وعضوات الاتحاد للتراجع عن هذا القرار.
 
وتتمثل في هذه المعركة كل أشكال التمييز السابقة التي تم سردها ومع وجود مرشحة من الاتحاد على منصب الرئيس وأخرى على منصب نائب الرئيس، تخوض النساء النوبيات المؤمنات بأحقيتهن في المشاركة السياسية المتساوية مواجهة حقيقية ضد الرغبة المستمرة في إبقائهن على هامش المعارك السياسية النوبية بالرغم من الدور الحيوي الذي يقمن به.

==
المصدر: موقع مؤسسه نظرة للدراسات النسوية

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....