عيش حرية عدالة إجتماعية

هل أتاك حديث السجون السياسية؟

137

في خبر جديد بثته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي تتخذ من القاهرة مقرا لها، تحت عنوان هل أتاك حديث السجون السياسية؟ وذلك في تاريخ 2017-06-20T17:44:57+00:00

إسماعيل الإسكندراني

لا يُعدّ ما يُمارَس اليوم في مصر، من حيث التوسع في الاعتقال أو التنكيل بالمعتقلين، جديداً على الإسلاميين. يمكن القول بأن الفكر التكفيري نشأ في مصر تحت وطأة التعذيب الشديد في السجون المصرية، حين نكّل بالإخوان المسلمين وبكل مشتبه بقربه منهم في ستينيات القرن الفائت. وكان أحد أشهر مواقع التعذيب آنذاك “السجن الحربي” في شرق القاهرة (هدم لاحقاً)، ويقع بالقرب منه ميدان رابعة العدوية حيث وقعت المجزرة. دفعت الضغوط النفسية التي كانت تمارسها سلطات السجون المعتقلين للاعتقاد بأن مثل هذه الإهانات لأفكارهم “الإسلامية” لا تصدر إلا من كافر بالإسلام. فماذا يعني هذا في الحاضر والمستقبل القريب؟

من “التكفير والهجرة” إلى “التوحيد والجهاد”

نجم عن هذه الفترة تحولان محوريان. التحول الأول كان عميقاً و ممتد الأثر في كتابات سيد قطب، الذي كان أديباً ومؤيداً لثورة يوليو 1952، ثم ما لبثت كتاباته أن تحولت من الفكر الإسلامي، المسالم على الرغم من تشدده، إلى التطرف في التنظير لتكفير المجتمع ووصفه بالجاهلية والدعوة للعزلة الشعورية عنه. أعاد سيد قطب كتابة تفسير بعض سور القرآن في كتابه الضخم الشهير “في ظلال القرآن”، في مستشفى السجن عقب اعتقاله الأول عام 1954، وختم حياته بكتاب “معالم في الطريق” الذي يعد مرجعاً لا يزال مؤثراً في تشكيل أفكار الجهاديين حول العالم بعد نصف قرن من إعدامه في صيف 1966.

أما التحول الثاني فكان مداه أقصر زمناً وأقل عمقاً، لكنه أشد تطرفاً في الفكر والممارسة، وعلامة فارقة في تاريخ الحركات الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين. ففي سجون الستينيات، ظهر المدعو شكري مصطفى أمير “جماعة المسلمين” التي أطلقت عليها وسائل الإعلام “جماعة التكفير والهجرة”، خلفاً لمؤسسها علي إسماعيل، الذي تراجع عن أفكارها لاحقاً. كان الشيخ علي إسماعيل قد أسس الجماعة بإطار من الاستدلال الشرعي على أفكارها تحت صدمة إعدام أخيه، عبد الفتاح إسماعيل، مع سيد قطب وأربعة آخرين. تراجع علي إسماعيل عن اندفاعه في التكفير، لكن شكري مصطفى كان شاباً حديث السن قليل الحظ من العلم الشرعي، وقد صنعته ظروف السجن قائداً لما صار بعد خروجه منه تنظيماً سرياً شديد التطرف والعنف. ثم تورط في اغتيال شخصيات إسلامية كبيرة، كالشيخ محمد الذهبي وزير الأوقاف المصري. انتهى أمره بالإعدام سنة 1978، بعد أن ترك بصمة حركية قوية في ميل الجماعات التكفيرية للعزلة الاجتماعية، والبحث عن نطاق جغرافي يكون تحت سيطرتهم الكاملة. فبقيت النزعة التكفيرية والميل للانعزال المكاني، من دون تنظير متماسك كالذي قدمه سيد قطب، وانزوت أفكارهم التي بلغت درجة تكفير أئمة المفسرين وأغلب علماء قرون صدر الإسلام.

على الرغم من إدراك السلطات المصرية لاحقاً لحقيقة ظهور الفكر القطبي والجماعة التكفيرية الأبرز بسبب الأخطاء المرتكبة في السجون، إلا أن ذلك لم يُستفد منه بشكل مؤسسي، ولم يُستَخلص منه ما يمكن وصفه بقواعد عامة أو خطوط لسياسة التعامل مع الإسلاميين داخل السجون. صحيحٌ أن إستراتيجية الاستثمار في فترة سجن الإسلاميين قد تطورت لاحقاً بما أنتج حالة نجاح في مراجعات جماعتي “الجهاد” و “الجماعة الإسلامية”، إلا أن الأمر لم يتجاوز تجريب طريقة جديدة من دون الانتباه إلى عدم الوقوع في الأخطاء السابقة. ويؤكد ذلك تكرار حالة شكري مصطفى مع طبيب الأسنان خالد مساعد، الذي أسس تنظيم “التوحيد والجهاد” في سيناء، الذي كان بمثابة النواة الأولى لجماعة “أنصار بيت المقدس” (بايعت “داعش” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، وتحول اسمها إلى “ولاية سيناء” حالياً).

امتازت سيناء في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت باختفاء الأفكار الجهادية والتكفيرية، خلافاً لسائر محافظات وادي النيل التي شاعت فيها المواجهات بين قوات الأمن من جهة والإرهابيين من أعضاء جماعتي “الجهاد” و “الجماعة الإسلامية” من جهة أخرى. لم يكن لكلمة “الجهاد” في سيناء من مدلول سوى الحرب النظامية ضد إسرائيل، وتعاون الفدائيون من رجال سيناء والفدائيات من نسائها مع المخابرات الحربية المصرية في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات ضد القوات الإسرائيلية أثناء الاحتلال. اقتصر وصف المنخرطين في أعمال جهادية بهذا المعنى على “مجاهدي سيناء”، الذين أُشهرت باسمهم جمعية أهلية مسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية (التضامن الاجتماعي لاحقاً)، وكان أغلب هؤلاء المجاهدين من الصوفيين أتباع الطريقة العلاوية الدرقوية الشاذلية. بخلاف هؤلاء المحاربين القدامى (المجاهدين الصوفيين)، لم ينتشر من أفكار الإسلاميين في سيناء سوى فرع ضعيف تنظيمياً من جماعة الإخوان المسلمين، وأفكار الدعوة السلفية بالإسكندرية، التي نقلها إلى سيناء وافدون من وادي النيل أو عائدون من الدراسة في الجامعات الحكومية من أبناء سيناء.

تم نقل ضابطين من جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) من صعيد مصر للخدمة في شمال سيناء في منتصف التسعينيات، فاستنسخا معهما الأسلوب الذي كانت تتبعه وزارة الداخلية في حينها مع المشتبه بهم في الصعيد. وفّر الدعم الشعبي لأجهزة الدولة غطاءً اجتماعياً للأساليب الشرسة التي استخدمتها قوات الشرطة في الصعيد ضد أعضاء الجماعات الإرهابية، الذين لم يحظوا بالاحترام أو الاحتضان المجتمعي، لكن الأمر لم يكن كذلك في سيناء التي لم تشهد أية عملية إرهابية قبل 2004. توسع ضابطا أمن الدولة الجديدان في اعتقال المشتبه بهم، وتعمّدا تكديرهم والضغط على أسرهم بتوزيعهم على السجون النائية حول الجمهورية واستمرار نقلهم من أحدها إلى الآخر. وكان نتاج ذلك تعرف الشباب المبتدئين في الفكر السلفي على أساطين الفكر الجهادي والتكفيري من قادة الإرهابيين في السجون. وكان من بين هؤلاء الدكتور خالد مساعد، طبيب الأسنان الشاب ذو الأصل البدوي، الذي عرف بهدوئه ومسالمته وعمله الدؤوب في إحدى الجمعيات الأهلية الخيرية في مدينة العريش.

خرج خالد مساعد من السجن محملاً بأشد الأفكار الإرهابية تطرفاً، وأسس مع اثنين من رفاقه تنظيم “التوحيد والجهاد” في الفترة بين عامي 2000 و2003، مستندين إلى الكتاب الشهير “العمدة في إعداد العدة” لمنظر تنظيم القاعدة السابق سيد إمام الشريف. قام تنظيم “التوحيد والجهاد” بأولى العمليات الإرهابية التي عرفتها سيناء في تاريخها المعاصر، مستهدفاً المنتجعات السياحية التي يقصدها الإسرائيليون في توقيتات ذات دلالة وطنية مصرية: في 7 تشرين الاول/ أكتوبر 2004 (ذكرى انتصار 6 أكتوبر 1973)، وفي 23 تموز/ يوليو 2005 (ذكرى ثورة يوليو 1952)، وفي 24 نيسان/ أبريل 2006 (قبل يوم واحد من ذكرى تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي عام 1982). استهدف التنظيم منتجعات سياحية على خليج العقبة في جنوب سيناء، في طابا ونويبع، وشرم الشيخ، ودهب، على الترتيب. أسفرت الاعتداءات عن مقتل أكثر من 130 مصريا وأجنبيا وإصابة أكثر من 300 شخص، واعتمد المهاجمون على السيارات المفخخة والعبوات الناسفة.

قتل خالد مساعد واثنان من قادة التنظيم في مواجهات مع الشرطة في شمال سيناء في آب/ أغسطس 2005، ونجحت القبضة الأمنية الحديدية في القضاء موقتاً على خطورة التنظيم الذي تفكك وتشظّى من بقي من أفراده، فتوزعوا بين الكمون في القرى النائية في المنطقة الحدودية من شمال سيناء أو الهروب إلى غزة عبر الأنفاق. لم يذهب الهاربون بعيداً نحو وسط القطاع أو شماله، بل بقوا في جنوبه قريباً من عائلاتهم، أي في رفح الفلسطينية معقل الجهاديين التكفيريين.

في 2009، تصاعدت الأزمة بين حكومة حماس المسيطرة على القطاع وبين التكفيريين في رفح بقيادة عبد اللطيف موسى، وانتهت بمقتل الأخير وعدد من أتباعه داخل مسجد ابن تيمية القريب من الشريط الحدودي مع مصر. وهنا، بدأ الهروب العكسي للتكفيريين من غزة إلى المنطقة الحدودية من شمال سيناء. وفي الوقت الذي ظنت فيه السلطات المصرية أنها قضت تماماً على الخطر الإيديولوجي المسلح في سيناء، كانت جماعة “أنصار بيت المقدس” تتشكل من بقايا “التوحيد والجهاد” (غَيَّر اسمه قبيل مقتل مؤسسه إلى “القاعدة والجهاد”) مستفيدة من خبرات قتالية وأمنية متقدمة حصل عليها الأفراد الهاربون إلى غزة ممن حضروا الحرب في (2008 – 2009).

في صيف 2010، تم استهداف خط الغاز الطبيعي المصدّر إلى الأردن وإسرائيل في أول عملية للتنظيم الجديد، وهو ما كشف عنه لاحقاً حينما استطاع التنظيم الإعلان عن نفسه في 2012، بعد أكثر من سنة من اندلاع الثورة، ثم تطورت الأمور حتى آلت إلى ما هي عليه الآن.

نجاح مراجعات “الجهاد” و “الجماعة الإسلامية”

على النقيض من التجربتين سالفتيْ الذكر، فإن أسلوب التعامل مع قادة “الجماعة الإسلامية المصرية” وجماعة “الجهاد” في السجون تكُلّل بنجاح نوعي تجسد في عقد التسعينيات. كانت الجماعتان قد تحالفتا في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، أي بعد القضاء على جماعة شكري مصطفى التكفيرية، وعملا معاً ضد أجهزة السلطة من دون تكفير للمجتمع. بلغت ذروة التعاون بينهما درجة نجاحهما في اختراق صفوف الجيش والمخابرات العسكرية واغتيال رئيس الجمهورية الأسبق، أنور السادات في العام1981 بينما كان بين كبار رجاله في عرض عسكري أقيم للاحتفال بالذكرى الثامنة لانتصار أكتوبر.

لم تكن الجماعتان في هشاشة “جماعة المسلمين” (جماعة التكفير والهجرة) وضعفها، فاستمرت عملياتهما الإرهابية طيلة عقد الثمانينيات ومطلع التسعينيات. قتل منهم المئات واعتقل مئات آخرون، لكنهم انهزموا في النهاية بفضل الدعم الشعبي الكبير الذي ساند السلطات في حملتها عليهم، ونجحت الشرطة وحدها – على الرغم من تكرار رفض الجيش التدخل في الشأن الأمني المحلي – في القضاء عليهم، وتغافل المجتمع عن الانتهاكات، الكبيرة نوعاً والمحدودة جغرافياً، التي رآها ضرورية أو مبررة من أجل تحقيق ذلك الهدف.

بالتوازي مع الضربات الأمنية المتلاحقة، وُضع قادة الجماعات تحت ضغط نفسي وفكري كبير دفعهم لقبول فكرة المراجعات الفكرية، وقد ساعد في ذلك التحسن الكبير نسبياً في أحوال السجون مقارنةً بمقار الاعتقال والتحقيق. لم يكن غريباً أن تحدث انشقاقات بينهم وتخوين واتهامات في الولاء صادرة من الرافضين للمراجعات ضد من انخرطوا فيها، لكن المحصلة النهائية كانت نجاحاً في مشروع المراجعات، وإن كان لم يترجم لمصالحة مع الدولة. لم تأمن الأجهزة الأمنية خروج المحكومين في قضايا “الجماعة الإسلامية” و “الجهاد”، فاستمر اعتقالهم سنوات عدة بعد انتهاء فترات عقوبتهم، لكنهم خرجوا في النهاية عقب اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، حيث تم الإفراج عنهم تحت حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الفترة الانتقالية الأولى.

أثبتت التجربة العملية صدق المراجعات، حيث التزمت “الجماعة الإسلامية” وحزبها الناشئ عنها، “البناء والتنمية”، بالعمل السلمي، ولم ينخرطا في أعمال جنائية على الرغم من تحالفهما مع الإخوان المسلمين في السلطة وكذلك عقب عزل محمد مرسي. يأمن أعضاء الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية أنفسهم من الملاحقة، حيث لا تعتبرهم حكومة عبد الفتاح السيسي خطراً، على الرغم من توسعها في سياسة استئصال حركات الإسلام السياسي. وقد بلغ الأمر ببعض رموز حركة الجهاد المصرية درجة تحولهم إلى كتّاب رأي وضيوف في وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة القائمة، بل يقومون بدور كبير في المناظرات وفي مجادلة الإسلاميين.

منذ صيف 2013، تتواتر شهادات المفرَج عنهم وأهالي السجناء العائدين من الزيارات الدورية عن انتشار الفكر التكفيري والانبهار بتنظيم “داعش” بين صفوف الشباب المسجونين الآن، ما يرجّح أن النظام الحالي في طريقه لإعادة إنتاج المئات من شكري مصطفى وخالد مساعد.

  • نشر هذا المقال في 12-02-2015 في ملحق السفير العربي اللبناني

المصدر : الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....