عيش حرية عدالة إجتماعية

153

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بثت بيان جديد تحت عنوان “” وذلك بتاريخ “2017-09-13T19:20:53+00:00” ، وجاء فيه ما يلي :

يعمل أبو محمد فى أحد المصالح الحكومية فى أطراف القاهرة. يسافر يوميا من قريته بالمنوفية إلى مقر عمله. ويعمل أثناء عطلة الأسبوع، وفى مواسم الزراعة كفلاح أجير. حين التقيته فى عام ٢٠١٢، كان الرجل الثلاثينى الذى يعمل فى الحكومة منذ خمس سنوات ولم يحظ بالتعيين، يحصل على ٨٠٠ جنيه فى الشهر، يعيل بهم زوجته وثلاثة أبناء كلهم فى مراحل مختلفة من التعليم. كانت أهم معضلة لدى الأسرة هى الإنفاق على التعليم حيث كان يشجعهم على الانتظام، ويعطيهم دروسا خصوصية تساعدهم على شرح لا تقوم به المدرسة.أما الأكل، فكان عبارة عن (مش) يصنعونه منزليا وخبز. وأحيانا القليل من الأرز والبصل والقلقاس، مما يزرعه بيده، والدجاج لا يتذوقونه سوى مرة فى الشهر، إن توفر. وكثيرا ما كانت الأسرة تملأ بطونها بالخبز المغمس فى الشاى كثير السكر حين كان الطعام لا يكفى.ولم يدرك أبو محمد أن هذا الطعام القليل غير المتوازن هو السبب فى أن يخرج أبناؤه واحدا تلو الآخر من التعليم، لتعثرهم جميعا، فيضيع استثماره فى تعليمهم هباء. عائلته واحدة من ضمن ثلاثين مليون مصرى تؤثر قلة وسوء التغذية على نموهم الجسدى وتطور قدراتهم على التحصيل والإدراك.ولهذا الوضع المتردى، كانت مصر ضمن الدول التى شملتها الدراسة الصادرة عن البنك الدولى هذا العام بعنوان «إطار من أجل الاستثمار فى التغذية»، فهى ضمن أكثر ٢٠ دولة على مستوى العالم معاناة من سوء التغذية الحاد، مقاسا بأربعة مظاهر: انتشار التقزم وقلة الرضاعة الطبيعية والهزال والأنيميا.
الجيل الرابع من الدعم
فى بدايات القرن العشرين، ظهر الجيل الأول من الدعم، وهو الدعم التموينى، أى توفير أهم السلع الغذائية إلى كل المواطنين (انتشر أيام الحروب العالمية). وتوالت بعد ذلك ــ مع ميلاد دول الرفاه الرأسمالية ــ أنواع الدعم بأشكال لا نطبقها فى الدول النامية، ولكن انتشر الدعم التموينى بعد ذلك فى الدول الأقل دخلا، خاصة لدى المواطنين فى المدن. حيث شهدت هجرات من الريف إلى المدن، تاركة الزراعة لتلحق كعمال بالمصانع المنشأة حديثا. ثم كان الدعم النقدى المشروط هو الجيل الثانى من الدعم، ظهر فى الثمانينيات من القرن العشرين فى أمريكا اللاتينية. حين عرفت القرى البطالة والفقر والجوع، بعد إهمال السياسات الزراعية العادلة، وسيادة الزراعة من قبل الشركات العالمية العملاقة. وهو يوفر دخلا نقديا شهريا للأسرة، بشرط ذهاب الأبناء إلى المدرسة، وإلى الفحص الطبى بشكل منتظم.
وبدأت مصر فى تبنى برنامج للدعم النقدى (تكافل وكرامة) منذ عامين فقط، متأخرة عن أقرانها أكثر من عشرين عاما. وتستهدف مصر إحلالا تدريجيا لهذا الدعم النقدى محل الدعم التموينى، مع استبعاد جزء من المستفيدين من النظام القديم وضم الأكثر فقرا.
وتتمسك الحكومات المتعاقبة فى مصر أكثر ما تتمسك بالجيل الثالث من الدعم. وهو الجيل غير الشرعى من الدعم، ذلك الموجه إلى الطاقة، والذى صار مصمما بحيث يستفيد منه أكثر ما يستفيد كبار المستثمرين. وهو يشكل حاليا ٤٢٪ من فاتورة الدعم فى مصر، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
أما الجيل الجديد، الجيل الرابع من الدعم، والذى لم نسمع عنه بعد فى مصر، فهو موجه إلى الأمهات والأطفال، كل الأطفال والأمهات على مختلف مستويات دخولهم. وذلك بهدف القضاء على المظاهر الأربعة لسوء التغذية الحاد، هى: التقزم، والأنيميا، ونقص الرضاعة الطبيعية، وأخيرا الهزال الشديد لدى الصغار.ويستهدف الدعم الجديد حزمة من الإجراءات تتبناها كل دولة، لمدة عشر سنوات متواصلة كى تقضى على تلك المظاهر الناتجة عن الفقر، والتى تؤدى إلى ضياع المليارات كل عام على الدولة.على طريقة «ألا أدلكم على تجارة رابحة»، يتبنى البنك الدولى مدخلا ليس هو حقوق الطفل، ولا هو مدخل التنمية الاحتوائية، ولكنه يخاطب روح الساعى إلى تعظيم الأرباح وتقديم المنفعة الشخصية. يتبنى تحليل التكاليف والمنافع cost ــ benefit analysis، ويتحدث بلغة العائد على الاستثمار.وفقا لتلك الدراسة، كل دولار يستثمر فى هذه الحزمة المقترحة من الإجراءات سوف يتولد عنه عوائد اقتصادية تقدر بين ٤ و٣٥ دولارا. وهو ما يجعل الاستثمار فى التغذية عند الصغر أحد أفضل أوجه الإنفاق التنموى المولد لأعلى قيمة.يتميز هذا الدعم بأنه لا يصل إلا إلى مستحقيه. ولكن صعوبته تكمن فى أهمية إيصاله خلال هامش ضيق من الزمن، أول ١٠٠٠ يوم من حياة الطفل، منذ يحتل رحم أمه. كما أنه يجب أن يتواصل على مدى زمنى أطول من عشرة أعوام كى يؤتى أكله. ولكنه فى المقابل استثمار ذو عائد ممتد طوال الحياة للفرد وللاقتصاد ككل.
لماذا الحرب على التقزم؟
التقزم هو النتيجة المباشرة لسوء وقلة التغذية لدى الأم الحامل، ثم لدى الطفل فى عاميه الأولين. وهو ليس فقط نقص الطول لدى الأطفال، ولكنه أيضا يعنى قلة المناعة تجاه الأمراض، مما يعنى أنه سيبقى ضعيفا طول عمره. ولعل أخطر آثار نقص الغذاء هو أثر دائم غير قابل للشفاء، حيث يؤدى إلى عدم اكتمال خلايا المخ، وهو ما يؤثر على التحصيل الدراسى، لهذا يكبر الطفل قليل الاستيعاب، وضعيف التحصيل العلمى، وهكذا يلتحق بأعمال دنيا، لا توفر له دخلا لائقا، ليقبع فى دائرة الفقر والجوع. ويرتبط التقزم فى الكبر بأمراض السكر والبدانة المفرطة، نظرا لحصول الفقراء على السعرات الحرارية اللازمة لبقائهم على قيد الحياة من طعام غير مغذ وغير كاف، كما أولاد أبى محمد.وفى مصر واحد من كل ثلاثة أطفال مصابون بالتقزم. وهو معدل أعلى من ذلك السائد فى الدول ذات الدخل المشابه لها. وتنتشر الظاهرة فى الصعيد أكثر منها فى وجه بحرى، لتصل إلى معدل مشابه لأفقر الدول على مستوى العالم.ونجد أن التقزم منتشر لدى فئات الدخل الأربعة (من أصل خمسة)، بل وموجود لدى الفئة الخامسة ــ الأغنى ــ بسبب أن بياناتها الرسمية غير معبرة عن الأغنياء فى مصر، ولكنها تضم الطبقة الوسطى (بالأساس). ومع ذلك فالظاهرة تؤثر على الأكثر فقرا أكثر من غيرهم. ولهذا تخسر القارتان إفريقيا وآسيا كل عام نحو ١٤٩ مليار دولار، معظمها بسبب ضعف تحصيل المعارف الذى يصيب المخ نتيجة التقزم. وبحسب الدراسات التى استند إليها البنك الدولى، تؤدى الزيادة فى طول الفرد بـ١٪ فقط إلى زيادة ٢.٥٪ فى دخله.ويقترح البنك الدولى أربعة تدخلات بعينها كفيلة بالقضاء على هذا البؤس رباعى الأبعاد. هى تدخلات غير مكلفة، إذا ما قورنت بحجم الدعم الذى تنفقه مصر سنويا على أغنيائها، أو بحجم الإنفاق الإجمالى السنوى للحكومة.على سبيل المثال، بحسب بيانات البنك الدولى، هناك أربع مواد يجب أن تحرص الحكومة على توفيرها للأمهات ولأبنائهن فى مصر، هم فيتامين أ، الحديد، اليود والزنك. أربعة مواد تنقذ ملايين من مخاطر التقزم والأنيميا والهزال الشديد. نحو نصف الأمهات فى مصر يعانين من الأنيميا (نقص الحديد)، ونحو خمسهن يعانين من فقر فيتامين أ، ويؤدى هذا إلى عدم تمكنهن من إرضاع أطفالهن لمدة ستة أشهر متواصلة، دون الاستعانة بأى غذاء خارجى، كما تقتضى توصيات منظمة الصحة العالمية. ويؤدى ذلك إلى نقص فى مناعة الأطفال، كما تؤدى الاستعانة بالألبان الصناعية وبالأطعمة الخارجية إلى الإسهال الشديد المتكرر لدى الأطفال، وهو ما يزيد من هزالهم، ويفتقدون جراءه الزنك اللازم لتعافيهم، فيبقى ٤٠٪ منهم فريسة للأمراض المميتة.
وتقدر دراسة البنك الدولى أن متوسط تكلفة الفرد خلال عام واحد من أجل علاج مشكلات الأربعة تبلغ نحو عشرة دولارات (بأسعار عام ٢٠١٥). وهذا إضافة إلى الإنفاق القائم بالفعل فى كل دولة من أجل تحسين مياه الشرب والصرف وبرامج الدعم الأخرى. الحسبة الدقيقة موجودة بقدر من التفصيل فى الدراسة، وتوضح أن التكلفة فى حالة مصر قد تزيد عن ذلك. ولكن توضح الحسابات التالية صورة تقريبية تقتضى المزيد من التدقيق.بأخذ متوسط التكلفة المذكور، وبافتراض أن البرنامج سيشمل ثلاثين مليون طفل ومثلهم عدد الأمهات، فهذا يعنى أن التكلفة ٦٠٠ مليون دولار، وهو ما يعادل ١٠،٨ مليارات جنيه مصرى سنويا. وهو مبلغ يسهل تدبيره من الموازنة العامة (ومن الممكن أن يفتح المجال لمساهمة القطاع الخيرى، مثل بنك الطعام ومصر الخير وصندوق تحيا مصر وغيرها).
كما أن هذا المبلغ الذى يفترضه البنك الدولى يفترض بقاء السياسات الزراعية على ما هى عليه من سوء، والاعتماد على المكملات الغذائية المصنعة، بدلا من تعديل النظام الغذائى لدى المصريين.فى كل الأحوال، المبلغ المقترح لا يزيد عن ١٠٪ من الدعم الموجه إلى الوقود والكهرباء، ولا يزيد عن ١٧٪ من الدعم التموينى. ولا يتجاوز ١٪ من الاستثمارات الحكومية الموجه معظمها إلى الطرق والكبارى والمبانى. وهو أيضا أقل من نصف ما تدفعه الحكومة حاليا فى برنامج تكافل وكرامة. ونظرا لحجم الإنفاق الحكومى السنوى، والذى يقترب من التريليون ونصف التريليون سنويا (١٢ صفرا بعد الواحد!) ، فإن عبئه السنوى حتى لو زاد، فهو محتمل.فى يوم إطلاق نتائج دراسة البنك الدولى، امتلأ الرواق الفسيح بمئات من الحضور. كل التفاصيل تشير إلى جلسة ليست كمثلها شىء. هذه ليست واحدة من الندوات العادية التى تحفل بها اجتماعات البنك والصندوق نصف السنوية. سرعان ما تحدثت ميليندا جيتس، زوجة الملياردير الأشهر عبر الفيديو المسجل عن اكتشاف جديد، استثمار من نوع خاص. معلنة عما أسمته هى: العصا السحرية لتحقيق أهداف التنمية. وشدت المطربة الإفريقية الشهيرة بلحن عذب مرح لتزيد الجو سحرا. أشار رئيس البنك الدولى جيم يونج كيم إلى نجاح دول مثل السنغال وبيرو وبنجلاديش، للتدليل على قدرات الدول على تحقيق ما هو مطلوب: السرعة والالتزام السياسى والخطط المفصلة خصيصا مشفوعة بالموارد.فى حين حضر وزراء من عشرات الدول فى إفريقيا وآسيا، هذا يعلن عن نتائج تبنيه لتوصيات الدراسة، وذاك يعلن عن خطته لتبنيها.. غاب الوزراء المصريون وكل أعضاء الوفد المصرى الموجود فى الاجتماعات. التقزم قد لا يقتصر على الطعام.
تم نشر هذا المقال عبر موقع الشروق الإلكتروني بتاريخ 1 سبتمبر 2017

==
المصدر: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....