عيش حرية عدالة إجتماعية

281

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بثت بيان جديد تحت عنوان “” وذلك بتاريخ “2017-10-08T19:20:29+00:00” ، وجاء فيه ما يلي :

منذ 25 عامًا (باقي عليهم عدة أيام)، وُلد لطفي خليل في مركز شنو التابع لمدينة كفرالشيخ. لم أقابله حتى الآن، وتكاد تنعدم فرص مقابلته مستقبلًا بعدما أيدت المحكمة العليا للطعون العسكرية حكمًا بإعدامه هو شخصيًّا يوم 19 يونيو الماضي. شمل الحكم أيضًا ستة أشخاص آخرين، منهم ثلاثة في الحجز مع لطفي، تم اتهامهم بإحداث التفجير الذي وقع عند إستاد كفر الشيخ في إبريل 2015 وقتل على إثره ثلاثة طلبة من الكلية الحربية.
ولكن لطفي هو أصغر المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام. ووفقًا لذويه، هو صاحب أطول مدة اختفاء في قضية “تفجيرات إستاد كفر الشيخ”، فلم يعلموا شيئًا عنه لمدة ستة وسبعين يومًا منذ أن تم القبض عليه في الشارع أمام محل بمركز شنو. عندما قابلوه، أخيرًا، أعطى لطفي جوابًا لوالدته يروي لها ما مر به خلال أكثر من شهرين. هذا جزء مما كتب لطفي بخط يده:

“هما ليه بيعملوا في ولادنا كده؟”
سألتني والدة لطفي بعد تأييد حكم إعدام ابنها. أعلم أنها لم تكن تنتظر مني إجابة، ولكن لم يمنع هذا استيائي من صمتي وعدم قدرتي على النطق بشيء. ليه صحيح؟

الرد الأول المحتمل: “عشان يستاهل.” عشان “من قتل يُقتل” وطالما حد قتل التاني مع سبق الإصرار يبقى تخلى عن حقه في الحياة. بعيدًا عن المدارس الفلسفية المختلفة – ﻷن تناول آرائها يحتاج إلى مساحة أكبر من هذه بكثير – يقف التفكير عند تحديد جانٍ واحد، الجاني الأول، وبالتالي تصير فكرة قاتل الدولة خرقاء. ولكن أليس كل من يُعدم يُقتل؟ أليس منفّذي الإعدام قتلة، بحصانة الدولة؟ أليست المؤسسات التي تحكم بقتل أشخاص قاتلة؟ هل تستطيع تلك المؤسسات نفسها الحكم باغتصاب المغتصب مثلًا، أو سرقة السارق؟ ولماذا ينطق القاضي “بالإعدام شنقًا” وليس “القتل شنقًا”؟
“عشان هو عمل كذا وكذا” – يحتوي هذا الرد على كمٍّ مهول من الثقة التي لا يمكن تفسيرها. بشكل عام، هل/كيف يمكن التأكد من أن شخصًا بعينه ارتكب عددًا من الجرائم بشكل يقيني؟ أمَّا عن قضية لطفي وجيرانه بالتحديد، فورقها الرسمي، المختوم بختم النسر والموقع من قبل وكلاء ورتب أخرى، يتضمن شرحًا تفصيليًّا من لطفي وأحمد وسامح و”عمو” أحمد (كما تشير إليه أخت لطفي الصغيرة) بأنه تم تعذيبهم وتهديدهم وإملاء أقوال معينة عليهم للبوح بها أمام النيابة. وعندما تم عرضهم على نيابة (في الأغلب وهمية) وصارحوا الوكلاء بما تم معهم كان يُكرر تعليقهم وصعقهم بالكهرباء، من ضمن أساليب أخرى تثير الغثيان، حتى تم إكراههم على ادعاء أنهم أحدثوا التفجير الذي حدث في إستاد كفرالشيخ عام ٢٠١٥ باستخدام ريموت موتوسيكل. جاءت بعدها تقارير الفحص الفني لتثبت آراء السادة الخبراء بحدوث التفجير من خلال هاتف محمول، تم العثور على أجزاء من بطاريته تحتوي على أشياء لا أفهمها لتثبت بشكل قاطع أن التفجير تم من خلاله. كما بينت التقارير أيضًا وضع العبوة الناسفة في حقيبة من حقائب طلبة الكلية الحربية، وليس في “كيس بلاستيك” كما قال لطفي والمجموعة سابقًا. سُجلت أقوال شهود في الورق الرسمي أيضًا، حيث أقسموا على تواجد الذين يواجهون القتل المحتمل الآن في أماكن بعيدة عن موقع التفجير وقت حدوثه، منهم سامح في مدينة ٦ أكتوبر، ولطفي في مركز آخر على بعد أكثر من كيلومترين، وعمو أحمد على بعد ١٠ كيلومترات.
بطريقة ما، “اطمأنت المحكمة” إلى تنفيذ هؤلاء الأربعة الانفجار، بالرغم من عدم أخذها كل هذه التفاصيل على محمل الجد، واطمئن فضيلة المفتي إلى اطمئنان المحكمة، فقام بالموافقة – أو المباركة الرمزية – على عملية قتل الأشخاص، ثم اطمأنت المحكمة العليا بدورها وقامت بتأييد حكم القتل – فهل يُعقل أن تكون المحكمة الأولية قصّرت؟ أو يكون المفتي أخطأ؟ في الواقع، من الممكن جدًّا أن تكون كل هذه الجهات أخطأت، بما فيها المحكمة العليا. فبعد أن أصدرت تأييدها، وفي قضية أخرى تمامًا، اعترف شخص بمعرفة وتحديد هوية مرتكب انفجار الإستاد: ليس لطفي ولا أحمد ولا سامح ولا عمو أحمد، اسمه مدحت. شيء يجرّد الحكم من الثقة والطمأنينة، ويدعو على الأقل إلى مراجعة قرار قتل أشخاص قد يكونون أبرياء، أليس كذلك؟ تتدفق كل الأشياء التي قد ترجح براءتهم إلى الذهن، مثل كاميرات المؤسسات الرسمية التي من المفترض أنها قامت بتسجيل وجودهم حول الإستاد وقت الحادث، وكلها “بها أعطال فنية” بحيث رفضت المحكمة مشاهدتها. وإجابة رئيس المباحث بأنه “لم تتوصل تحرياته إلى مرتكب الواقعة.” والآن هذه هي الأقوال الجديدة التي بإمكانها إنقاذ حياة أشخاص إن تم التحقيق في صحتها. تقدم الأهالي بناء عليها بالتماس لإعادة النظر في القضية ووقف تنفيذ الإعدام، وفي خلال عشرة أيام تم إبلاغهم برفضه. لسبب أو لآخر، يتم صرف النظر عن جميع الأشياء التي قد تؤدي إلى الاعتراف بأن هناك شكوكًا تشوب كل هذه الطمأنينة والثقة.

يستمر لطفي في كتابة الجوابات إلى ذويه، ولكن تملؤها الابتسامات والقلوب – ليس لسعادته ولا لحسن ظروف العنبر، ولكن لرفضه إخبار أهله المزيد عما يعانيه بداخله. لا يعلمون تفاصيل غير أن الأكل يأتيه في جردل، وأن لديه كيس بلاستيك يقضي فيه حاجته طوال ثلاثة وعشرين ساعة ونصف كل يوم، ثم يفرغها عندما يخرج للتريض لمدة النصف ساعة الباقية.
يتطلب اعتبار الحياة المهددة ذات قيمة في المقام الأول لكي يتم أخذ الشك حول صلاحية قتلها في الاعتبار. بعيدًا عن النقاش حول ماهية تلك الصلاحية أصلًا، من المهم ذكر ما يتطلبه هذا من إبعاد، جسدي وعقلي ونفسي، للشخص الذي يصير قابلًا للقتل، وتجريده الرمزي من إنسانية قد تشعرنا بوجود شيء مشترك بيننا وبينه. لا يصلنا شيء من هؤلاء القابلين للقتل، ولكن يصلنا عنهم الكثير مما يساعد في هذا التجريد، من اعتبارهم “وحوشًا” اختاروا التجرد من إنسانيتهم وتجريد آخرين – أكثر استحقاقًا للعيش – من حياتهم. يتم تلقيننا أن التخلص منهم هو أفضل لنا، ويصبح استمرار عيشهم، ولو في عنبر مظلم ليس به نافذة، خطر محدق، إذ لا سيطرة على وحشيتهم التي تبدو وشيكة دائمًا على الانفجار فينا. حسنًا، فلنعتبرهم للحظة وحوشًا حقًا، أقل إنسانية منا وبالتالي أكثر استحقاقًا للقتل. ولكن ماذا عن إنسانيتنا نحن؟ في اتخاذ قرار القتل، بكل الطمأنينة التي تسمح بالنوم المريح ليلًا، ما مدى تشابهنا بالوحوش التي ندَّعي بعدنا كل البعد عنها؟
هؤلاء ليسوا بحيوانات تأكل من جرادل، أو يتم التضحية بهم (في غير الأعياد الرسمية كما تنص مواد تنظيم السجون) من أجل تخليص المجتمع من شرور ومخاطر. فالشرور والمخاطر تلك لا تكمن في شخص هؤلاء الأربعة ولا تتجسد في المئات غيرهم، ولكنها بالعكس تتمثل في الاستهانة بالأرواح: الرسالة التي تقوم الدولة، المثل الأعلى المفترض به، بتوصيلها مع كل حكم بالإعدام شنقًا، ومع كل ورقة تحظى بمباركة الإفتاء، ومع كل جردل وكيس وشك وصمت.

الخط الزمني لقضية “تفجير إستاد كفر الشيخ”:
١٥ إبريل ٢٠١٥: انفجار في مكان انتظار طلبة الكلية الحربية في إستاد كفرالشيخ الرياضي ومقتل ثلاثة طلاب.
١٩ إبريل ٢٠١٥: النيابة العامة تحيل القضية إلى النيابة العسكرية.
١٩ – ٢٠ إبريل ٢٠١٥: إلقاء القبض على أربعة متهمين وتقديم ذويهم بلاغات اختفائهم القسري.
٣٠ يونيو ٢٠١٥: صدور محاضر الضبط للمتهمين.
٤ يوليو ٢٠١٥: إعلان القبض على المتهمين في وسائل الإعلام.
١ فبراير ٢٠١٦: إحالة أوراق سبعة متهمين إلى لمفتي، منهم أربعة محتجزون.
٢ مارس ٢٠١٦: المحكمة العسكرية بالإسكندرية تحكم بإعدام المتهمين السبعة.
٢٦ إبريل ٢٠١٦: تصديق وزير الدفاع على الحكم.
٩ يوليو ٢٠١٦: تقديم النقض على الحكم.
١٩ يونيو ٢٠١٧: المحكمة العليا للطعون العسكرية تؤيد أحكام الإعدام.
 
لتفاصيل أكثر عن القضية:
إعدامات قضية إستاد كفرالشيخ ظلم محقق
يجب وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين

==
المصدر: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....