عيش حرية عدالة إجتماعية

جلسة إحاطة مفتوحة للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في الأمم المتحدة

151

بيان جديد بثته المفوضية السامية لشئون اللاجئين بعنوان “جلسة إحاطة مفتوحة للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في الأمم المتحدة” بتاريخ “2017-05-13T12:33:22+00:00”

أصحاب السعادة،

سيداتي وسادتي،

في البداية، دعوني أشكركم على الفرصة التي أتحتموها لي للتوجه إلى هذه اللجنة وتقديم وجهة نظر المفوضية بشأن تداخل الأمن والحماية الدولية للاجئين.

في العديد من المواقع حول العالم، أصبح انعدام الأمن الناجم تحديداً عن الصراع العنيف والجماعات المتطرفة والجريمة المنظمة سمةً من سمات الحياة اليومية. وغالباً ما يكون لهذه الأوضاع أسباب أكثر عمقاً ناجمة عن عدم المساواة المتزايد وضعف سيادة القانون والحوكمة. ويمكن أن ينشأ بعضها حتى عن الآثار السلبية لتغير المناخ على البيئة، ما قد يزيد المنافسة على الموارد الشحيحة. ويُعتبر اللاجئون البالغ عددهم 21.7 مليون شخص والنازحون داخلياً الذين يفوق عددهم 36.4 مليون شخص في العالم اليوم أكثر من يتأثرون بانعدام الأمن[1]. تفر الغالبية العظمى من اللاجئين إلى الدول المحيطة ببلدانها، لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط وبعض مناطق آسيا وأميركا اللاتينية وتركيا. ويتقدم البعض لا سيما عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا وأماكن أخرى. وفي حين أننا شهدنا – ولا نزال نشهد- أعمالاً عديدة مشجعة عبرت عن التعاطف والتضامن من خلال الاستجابة للاجئين، فنحن نرى أيضاً أن السياسات المثيرة للانقسام وكراهية الأجانب تكتسب زخماً، وتتفاقم بسبب الخطاب غير الواعي في وسائل الإعلام وغيرها من المنتديات العامة. ويظهر ذلك أيضاً في المناقشات الحالية حول التهديدات المتعلقة بالإرهاب وتدفقات اللاجئين.

وعلى هذه الخلفية، أود أن أتحدث عن عدد من الاعتبارات الرئيسية التي ستعالج بفاعلية المخاوف الأمنية ضمن سياق اللاجئين، من وجهة نظر المفوضية.

أولاً، يتعين فهم أن ضمان الأمن وحماية اللاجئين هما هدفان متكاملان.

بناءً على تجربتنا، يتم توفير الأمن والحماية على أفضل وجه من خلال نهج شامل قائم على هذا المبدأ. ويمكن أن تساعد التدابير المتخذة لضمان الوصول إلى الأمن والحماية للأشخاص المحتاجين، بما في ذلك الفارون من الإرهاب، أيضاً في الحفاظ على أمن بلدان ومجتمعات العبور والبلدان والمجتمعات المضيفة. إلا أنه في الواقع، غالباً ما تطغى الشواغل الأمنية على الاعتبارات الإنسانية واعتبارات الحماية التي تعتبر ملحة بصورة مساوية. نرى ذلك في السياسات التقييدية عند الحدود في عدد من البلدان في مناطق مختلفة. وقد أصبح الوصول إلى الأراضي مقيداً بشكل كبير نظراً إلى الحواجز المادية التي تحول دون الدخول ومتطلبات الحصول على تأشيرات الدخول وممارسات الحظر. وغالباً ما يتم تبرير هذه التدابير تحت إسم الأمن أو بأنه منصوص عليها في جداول الأعمال المحلية التي لا تتعلق بالوجود الفعلي للاجئين.

ولكن، وباعتبارها منظمة تعمل مع الحكومات في كافة القارات، رأت المفوضية كيف أن إعطاء الأولوية للأمن بدلاً من الحماية نادراً ما حقق النتائج المنشودة. ولا يمكن أن تكون تدابير كصد اللاجئين وطالبي اللجوء على الحدود والاحتجاز وتقييد إمكانية الوصول، بالإضافة إلى قلة السبل الآمنة والمنتظمة للوصول إلى الأمان، هي الحل. فأثر هذه التدابير هو ببساطة تحويل تحركات اللاجئين إلى طرق أخرى وتفاقم الأوضاع غير المستقرة في المناطق التي تشهد الصراعات. أما الأسوأ فهو أنه، ومن دون المسارات الآمنة والمنتظمة للوصول إلى الأمان، فالأشخاص الذين ليس لديهم ما يخسرونه، قد يلجأون إلى الرحلات الخطيرة مع المهربين، ما يخلق بيئةً يمكن أن يزدهر فيها التهريب والاتجار، ووضعاً يمكن أن تستغله الجماعات الإرهابية. بالإضافة إلى ذلك، فاعتبار اللاجئين تهديدات أمنية يفتح الباب أمام الخطاب العنصري والقائم على كراهية الأجانب ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى اعتداءات جسدية ضد اللاجئين.

بعبارة أخرى، إن فصل الأمن عن اعتبارات الحماية يضرّ بكل منهما.

ثانياً، إن القانون الدولي للاجئين يوفر إطاراً قانونياً صلباً لمعالجة المخاوف الأمنية والشواغل المتعلقة بالحماية على حد سواء.

لا يشكل القانون الدولي للاجئين عقبةً عندما يتعلق الأمر بمعالجة الشواغل الأمنية. بل على العكس، فقد كانت الاعتبارات الأمنية في مقدّمة النظام الدولي لحماية اللاجئين منذ البداية.

ويهدف القانون الدولي للاجئين تحديداً إلى ضمان أمن الأشخاص الفارين من الصراع والعنف والاضطهاد، بما في ذلك من جماعات المعارضة المسلحة والإرهابيين. وهو يوفر آلية لحمايتهم من العودة إلى خطر التعرض لأذى جسيم، لا سيما من خلال تطبيق مبدأ عدم الطرد. وهو يحدد معايير واضحة للإجراءات المتخذة لتعزيز الاستجابات الإنسانية واستجابات الحماية للأشخاص الفارين من انعدام الأمن. فالالتزام بمبادئه يعزز سيادة القانون ويضمن بالتالي حماية الأفراد حتى عندما تكون بلدانهم المنشأ غير قادرة أو غير راغبة في حمايتهم. ويبدأ ذلك بتعريف اللاجئين في اتفاقية عام 1951، التي تضع معايير واضحة لتحديد اللاجئين والأشخاص المؤهلين للحصول على الحماية الدولية من بينهم.

وفي الوقت نفسه، كان واضعو اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئ مطلعين جيداً على البعد الأمني الوطني. وأعربوا عن قلقهم بشكل خاص إزاء ضمان كون نظام حماية اللاجئين لا يوفر غطاءً للأشخاص المتورطين في جرائم خطيرة أو الذين يشكلون تهديداً لأمن البلدان المضيفة. ووفقاً لذلك، تم إدراج أحكام خاصة في اتفاقية عام 1951 لضمان عدم حصول هؤلاء الأشخاص على صفة لاجئ. وفرت هذه الأحكام نظاماً للضوابط والتوازنات، وأخذت بعين الاعتبار حماية المصالح الأمنية للدول والمجتمعات المضيفة بشكل كامل، وحماية حقوق اللاجئين في الوقت نفسه. وتنص المادة 1 و من الاتفاقية على استبعاد الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب بعض الجرائم الخطيرة أو الأعمال الشنيعة، والذين لا يستحقون الحصول على الحماية الدولية باعتبارهم لاجئين.

ويوضح القانون الدولي للاجئين أيضاً أن اللاجئين وطالبي اللجوء ملزمون بالتقيد بقوانين بلدهم المضيف. وهم ليسوا بمنأى عن الملاحقة القضائية لارتكاب أي جرائم على أراضيه. ولا تحول صفتهم دون اتخاذ التدابير المناسبة في حال تبين أن الشخص يشكل خطراً أمنياً. ويشمل ذلك أحكاماً واضحة في اتفاقية عام 1951، تسمح باستبعاد اللاجئ لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو النظام العام في ظروف محددة.

وبناءً على ذلك، وفي ضوء توصيات الاستقبال التي وضعتها اللجنة والمديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب، من المهم النظر في الانضمام بشكل إيجابي إلى الصكوك الدولية المتعلقة باللاجئين. ومن المهم أيضاً وضع أنظمة لجوء تسمح باتخاذ القرار بشكل عادل وفعال بشأن طلبات الحصول على الحماية الدولية. تتيح هذه الأنظمة تطبيق أحكام الاستبعاد بدقة. وعندما تتحمل الدول مسؤولية تحديد صفة اللاجئ، يمكنها إجراء التحقيقات والاستفسارات لضمان استبعاد الأشخاص المتورطين في الأفعال الإرهابية المنصوص عليها في المادة 1 و، خلال التحديد الأولي لصفة اللاجئ، أو إلغاء صفة اللاجئ التي يكونون قد حصلوا عليها في مرحلة لاحقة.

تشمل الممارسات الجيدة أيضاً التعاون بين سلطات اللجوء وأجهزة الأمن والاستخبارات. فتلعب كل منها دوراً في تحديد الأشخاص الذين يمكن أن يقعوا ضمن نطاق الاستبعاد أو الذين يتطلبون اتخاذ إجراءات مناسبة لضمان أمن البلد المضيف ومجتمعه. ومن الضروري تدريب حرس الحدود وسلطات إنفاذ القانون والأمن والمخابرات بشكل مناسب على مبادئ ومعايير حماية البيانات. ويجب أن يستند التعاون بين مختلف الأجهزة إلى فهم واضح للوضع الخاص للاجئين وطالبي اللجوء.

مع وضع الضمانات المناسبة، يعتبر الفحص الأمني، بما في ذلك إجراء عمليات التحقق بناءً على قواعد بيانات الإنتربول، عنصراً مهماً أيضاً من عناصر مراقبة الأمن التي ستجري على الحدود وفي سياقات أخرى، كما في عملية إعادة التوطين. ومن المهم أيضاً ضمان أن قواعد البيانات التي تحتوي على معلومات يمكن أن تساعد على كشف الأشخاص الخطيرين الذين يسعون إلى الدخول إلى البلد متطابقة. وفي أوضاع البلدان التي تتمتع فيها المفوضية بدور عملي قوي، تم إحراز تقدم في تعزيز التعاون مع البلدان المضيفة حول المسائل المتعلقة بالأمن. ويمكن أن تعمل المفوضية والدول معاً ليس فقط لضمان عدم إساءة استخدام نظام اللجوء من قبل الأشخاص الخطيرين ، بل أيضاً لضمان عدم حرمان الأشخاص المحتاجين إلى الحماية الدولية والمؤهلين للحصول عليها، منها، لأنهم متهمون زوراً بالإرهاب.

ثالثاً، يتطلب الإطار التعاوني وجود أنظمة مناسبة لاستقبال الواصلين وإحالتهم إلى الآليات المناسبة. يشمل ذلك وضع ضمانات مناسبة لمنع احتمال تسلل المجرمين أو الذين ينتمون إلى منظمات إرهابية أو متطرفة.

تواصل المفوضية العمل مع الدول لوضع وتنفيذ أنظمة إدارة الحدود المراعية للحماية لتحقيق ذلك. ومنذ 10 أعوام وضعنا خطة عمل من 10 نقاط حول حماية اللاجئين والهجرة المختلطة، تقدّم اقتراحات عملية، بما في ذلك بشأن إدارة أنظمة الدخول. وفي ديسمير 2016، أصدرنا مجموعة محدثة من أكثر من 120 أداة عملية جديدة وأمثلة عن التدابير التي تهدف إلى ضمان تحديد اللاجئين وطالبي اللجوء [وغيرهم من ذوي الاحتياجات الخاصة] الذين يسافرون بطريقة غير نظامية وتوفير الحماية لهم من الطرد ومساعدتهم للاستفادة من إجراءات اللجوء.

وتشمل الممارسات الجيدة في هذا الصدد: (1) التسجيل المناسب، بما في ذلك التسجيل القائم على السمات البيولوجية، من قبل سلطات الحدود المدربة على جوانب ذات صلة بالأمن وحماية حقوق اللاجئين والإنسان؛ (2) إحالة الأشخاص الذين يسعون إلى الحصول على الحماية الدولية إلى إجراءات اللجوء؛ و(3) تحديد الأشخاص المعرضين للإتجار بالبشر أو المعرضين لخطر الإتجار بهم [أو إعادة الاتجار بهم] للتأكد من إمكانية وصولهم إلى الأمان وحصولهم على الحماية والدعم.

عندما يتم تسجيل طالبي اللجوء واللاجئين بسرعة وتحديد صفتهم بطريقة عادلة وفعالة، تثق الدول بشكل أكبر بالأشخاص المتواجدين على أراضيها. ويمكّن التسجيل وتحديد الصفة الدول من التحديد المبكر للأشخاص المحتاجين إلى الحماية أو الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى الحماية أو الذين يمكن أن يشكلوا خطراً أمنياً. وكجزء من هذا النظام، فقد أعطينا سبباً وجيهاً لدعم مبدأ عدم احتجاز طالبي اللجوء إلا في أوضاع استثنائية، وللبحث عن بدائل فعالة للاحتجاز.

فعلى سبيل المثال، قدمت المفوضية في ديسمبر 2016، ورقة إلى الاتحاد الأوروبي بعنوان حماية أفضل للاجئين في الاتحاد الأوروبي وعلى الصعيد العالمي[2]، تضمنت مجموعة من الاقتراحات بشأن نظام تسجيل عام لضمان معالجة طلبات الواصلين بصورة منتظمة وحصولهم على الحماية وخصوعهم للفحص الأمني ولم شمل عائلاتهم. ويعتمد هذا النظام على قاعدة بيانات النظام الأوروبي لمضاهاة بصمات الأصابع وقواعد بيانات أخرى ذات صلة خاصة بالاتحاد الأوروبي لتحسين إدارة البيانات، ويشمل التسجيل والفحص الأمني وتحديد الاحتياجات الخاصة والإحالات إلى مراكز الاستقبال وتقديم المشورة والمعلومات والإحالات إلى الإجراءات المناسبة واتخاذ القرارات بسرعة. وفي حين أنه تم إعداد هذه الورقة بشكل خاص لسياق الاتحاد الأوروبي، إلا أن اعتباراتها الأساسية تنطبق في العديد من الأوضاع المختلفة حيث تؤثر تحركات اللاجئين والمهاجرين الواسعة النطاق على بلدان متعددة أو مناطق بأكملها.

رابعاً، يتعين إدراج التدابير لضمان أمن البلدان المضيفة وحماية اللاجئين ليس فقط عند نقطة الدخول، إنما أيضاً بعد الوصول.

إن قدرة اعتماد اللاجئين على ذاتهم في بلدانهم المضيفة بانتظار حلول أخرى أكثر استدامة تعتبر أمراً أساسياً في مجال الحماية والحلول والأمن. وهي تصب في مصلحة مجتمعات اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء لضمان أن اللاجئين يتمكنون من إعالة أنفسهم وعائلاتهم والمساهمة في مجتمعاتهم. ويشير عدد متزايد من الدراسات إلى أن المجتمعات المضيفة يمكن أن تستفيد من وجود ومساهمات اللاجئين- من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أن الحصول على فرص كسب العيش والتعليم والخدمات الاجتماعية ضمن المجتمع المضيف يمكن أن يمنع الاستبعاد والتهميش اللذين قد يؤديان إلى الإضعاف والحرمان من الحقوق، وفي بعض الحالات، إلى التطرف.

وفي العالم الصناعي، يعرض تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مثلاً، الدروس الأساسية المستفادة من تجربة بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تعزيز إدماج اللاجئين. وهو يشدد على أهمية إتاحة الحصول على صفوف اللغة والاستفادة من برامج العمل وخدمات الإدماج في أسرع وقت ممكن، بما في ذلك لطالبي اللجوء الذين تُعتبر احتمالات بقائهم مرتفعة. ويتفق البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أن الإدماج ضروري للتماسك الاجتماعي وأن الاستثمارات في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي يجب أن يتم في وقت مبكر من العملية. وفي الورقة الأخيرة التي قدمتها إلى الاتحاد الأوروبي، اقترحت المفوضية نظاماً للإدماج مبنياً على ثلاثة عناصر رئيسية هي: (i) زيادة التمويل المقدم لبرامج الإدماج؛ (ii) خدمات الإدماج القابلة للتوقع والمنسقة؛ و(iii) تعزيز المجتمعات المستقبِلة.

إن توفير الفرص للاجئين ومجتمعاتهم المضيفة بما يمكنهم من التفاعل وفهم بعضهم البعض يعتبر ضرورياً لتسهيل القبول وتعزيز الاعتماد على الذات. بفضل الدعم والأنظمة المناسبة، يتمكن اللاجئون من لعب دور قيّم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لبلدهم المضيف. وتعتبر المبادرات لضمان الحصول على التعليم الابتدائي والثانوي والتعليم العالي، فضلاً عن مشاركة الشباب، أمراً أساسياً لضمان ثقة الشباب بمستقبلهم وعدم لجوئهم إلى آليات تكيّف سلبية أو وقوعهم ضحية الجماعات المتطرفة. وتُعتبر الفرص الاقتصادية لكل من المجتمعات المضيفة ومجتمعات اللاجئين أيضاً أساسية لتقليص المنافسة على الموارد وتعزيز التماسك الاجتماعي.

وفقاً لتجربة المفوضية، فإن تعزيز المواقف الإيجابية تجاه اللاجئين والعلاقات مع المجتمعات المضيفة هو أمر ضروري أيضاً لمواجهة كراهية الأجانب وخطاب الكراهية ونشر الخوف والتصريحات التحريضية – على مستوى السياسات وعلى مستوى المجتمع المدني. وفي حال لم تتم معالجة ذلك، يمكن أن تؤدي البيئة العدائية إلى هجمات عنيفة ضد اللاجئين. وللدول دور مهم في التصدي لهذه العقلية ولجميع أشكال التطرف التي قد تولدها، بما في ذلك من خلال الشرطة المجتمعية وغيرها من أشكال التشارك مع اللاجئين. وتُعتبر معرفة اللاجئين والمجتمعات المضيفة وفهم كيفية تفاعلهم أساسياً لسلطات إنفاذ القانون لمنع الاستبعاد الاجتماعي ولكشف ومعالجة المشاكل المحتملة في مرحلة مبكرة.

خامساً، إن النهج الموجه نحو الحلول إزاء الحجم الحالي ونطاق وتعقيد النزوح القسري في العالم، بما في ذلك أبعاده المتعلقة بالأمن وإنفاذ القوانين، يقوم على ترتيبات تقاسم المسؤولية القابلة للتوقع والمنصفة.

لا يمكن أن تتولى بضعة بلدان بمفردها إدارة التحركات عبر الحدود بالحجم الذي نشهده اليوم. وإلا ستتحول مشاكل البلد الذي يشهد الصراعات بكل بساطة إلى البلدان أخرى. وتتطلب الفعالية في هذا المجال تضامناً عالمياً. وتقاسم المسؤولية يصب في مصلحة الجميع. وتعتبر الجهود الجماعية لدول عديدة وللمجتمع المدني أساسية. ففي نهاية المطاف، يتطلب الأمر نهجاً قائماً على المجتمع الشامل.

وفي الواقع، أقرت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في سبتمبر 2016 بالإجماع إعلان نيويورك بشأن اللاجئين والمهاجرين، اعترافاً منها بضرورة وضع نهج جديد مشترك. ويدعو الإعلان المفوضية إلى اقتراح ميثاق عالمي بشأن اللاجئين ووضع ميثاق عالمي بشأن الهجرة الآمنة والمنتظمة والنظانية. وسيهدف الميثاق العالمي بشأن اللاجئين إلى ضمان ترتيبات تقاسم المسؤولية المناسبة والمتوقعة لمعالجة تحركات اللاجئين الواسعة النطاق. وسيتناول أيضاً أوضاع اللاجئين التي طال أمدها – لا سيما الأوضاع المنسية أو تلك التي تعاني من نقص كبير في التمويل. وهو يقوم على أساس فهم كون التحركات الكبيرة للاجئين لا يمكن معالجتها بشكل مناسب إلا من خلال التعاون الدولي. ويعتبر هذا التعاون أيضاً أساسياً لضمان الاستقرار والأمن العام وبناء الثقة العامة بالمؤسسات وتعزيز الحماية للاجئين.  ويشير إعلان نيويورك بشكل واضح إلى البعد الأمني، مع تعهدات محددة في ما يتعلق بمراقبة الحدود والتدابير الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة عبر الوطنية، مع مراعاة القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين[3].

وكجزء من الميثاق العالمي بشأن اللاجئين، من المتوقع أن تتقاسم الدول مسؤولية اللاجئين في عدد من المناطق. وسيكون لكل منها دوراً في منع نشوب الصراعات وحلها ومعالجة الرابط بين الإنسانية والتنمية وتوفير الإغاثة في حالات الطوارئ وتعزيز إعادة التوطين والمسارات التكميلية للقبول ودعم المجتمعات المضيفة والعمل على إيجاد الحلول. وفي هذا الصدد، اسمحوا لي أن أسلط الضوء بشكل خاص على قلّة السبل النظامية  للوصول إلى الأمان، ما يدفع العديد من اللاجئين إلى السفر عبر الطرق الخطيرة، مع الاعتماد غالباً على المهربين والمتاجرين. وهذا الأمر لا يعرض اللاجئين لأعمال العنف والاعتداء الفظيعة التي أفادت عنها التقارير بشكل خاص في ليبيا أو منطقة الساحل أو في أميركا الوسطى، بل يسمح أيضا للشبكات الإجرامية بالازدهار.

يعتبر توفير مسارات بديلة للقبول من الأولويات العاجلة. وتعمل المفوضية مع الدول في كافة المناطق لوضع مبادرات تسهل قبول اللاجئين بأمان وكرامة. وقد يشمل ذلك السبل الإنسانية، كإعادة التوطين/القبول الإنساني والكفالة الخاصة والتأشيرات الإنسانية والإجلاء الطبي. ومن الممكن أن يشمل أيضاً سبلاً إضافية للقبول من خلال خلق أو توسيع نطاق الفرص وتسهيل وصول اللاجئين إلى الأمن وحصولهم على الحماية من خلال لم شمل العائلة والمنح الأكاديمية والتدريبات المهنية وبرامج تنقل اليد العاملة. فمن ناحية الحماية ومعالجة المخاوف الأمنية المحتملة على حد سواء، تبدو منافع هذه السبل البديلة واضحة، إذ أن تسهيل لم شمل العائلة بشكل خاص سيساعد في معالجة أحد الدوافع الرئيسية للتقدّم.

وفي الختام، وفي حين أن المفوضية ليست وكالة أمنية بل وكالة تُعنى بالشؤون الإنسانية وبالحماية ومكلّفة بالعمل مع الدول لضمان الحماية والحلول للاجئين، فقد جعلنا عملنا مع المهجرين في جميع أنحاء العالم على مدى أكثر من ستة عقود ندرك تماماً الاعتبارات الأمنية واسعة النطاق، بما في ذلك تلك الناشئة عن الإرهاب. ودعونا لا ننسى أن اللاجئين هم غالباً أول [وفي بعض الأحيان غالبية] ضحايا الإرهاب. وقد سعى الأشخاص المتورطون في أنشطة إرهابية عمداً في بعض الأحيان إلى تقليص الدعم للاجئين، بما في ذلك من خلال معاقبة الفارين من المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية.

وقد علمتنا تجربتنا الجماعية المكتسبة على مدى أعوام عديدة أن الأمن والحماية لا ينفصلان- أي أن أحدهما غير ممكن دون الآخر. ويعكس هذا الواقع النظام القانوني الدولي الذي تقوم عليه حماية اللاجئين. ويوفر القانون الدولي للاجئين الضمانات والآليات لحماية المحتاجين إلى الحماية الدولية من الاضطهاد والصراع والعنف- بما في ذلك الإرهاب- مع الأخذ في عين الاعتبار المصالح الأمنية للبلدان المضيفة ومجتمعاتها. وفي إطار المناقشات العامة المحتدمة في كثير من الأحيان، من المهم بشكل عام، إبقاء الأمور في منظورها الصحيح: في حين أنه لا يوجد نظام خال تماماً من المخاطر، من الواضح أن إجراءات اللجوء المناسبة هي من أدق القنوات للقبول والإقامة في البلد. وهذا الأمر ينطبق أيضاً على إعادة التوطين، حيث يتم تنفيذ آليات التحقق الأمني والفحص الصارمة قبل حتى أن يُسمح للاجئ بالدخول إلى البلد.

وأخيراً، اسمحوا لي أن أشكر لجنة مكافحة الإرهاب ومديريتها التنفيذية على التزامهما بأسس سيادة القانون. نحن نقدر نهجكم المحافظ على الكرامة الإنسانية في إنفاذ القانون وفهمكم لتعقيدات تحركات اللاجئين والمهاجرين إذ لا يمكن إدارة الجوانب الأمنية للأشخاص المتنقلين دون حمايتهم. ونحن نرى اعترافاً بذلك أيضاً في النهج المتعدد الأوجه الذي تعكسه الركائز الأربع لاستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن القرارات العديدة لمجلس الأمن والجمعية العامة التي أوضحت أن التدابير الرامية إلى مكافحة ومنع الإرهاب والتطرف، يجب أن تتماشى مع الالتزامات القانونية الدولية.

وبناءً على تجربتي الخاصة، يكون التفاعل جيداً بين حماية اللاجئين والأمن القومي إذا ما فُهم دور كل منهما بالشكل المناسب. لذلك، دعونا نسعى جاهدين إلى تحقيق استجابة شاملة تعالج هذين الجانبين في حالات النزوح والهجرة الحالية في جميع أنحاء العالم – بروح من الوعي والتفاهم المتبادل والتعاون.

 


[1]  في منتصف عام 2016، كان هناك أكثر من 16.5 مليون لاجئ تعنى بهم المفوضية وأكثر من 36.4 مليون ناح داخلياً. مراجعة الاتجاهات نصف السنوية لعام 2016، المتوفرة على: http://www.unhcr.org/statistics/unhcrstats/58aa8f247/mid-year-trends-june-2016.html.. ومع نهاية عام 2015، كان هناك 5.2 مليون لاجئ فلسطيني مسجل من قبل الأنوروا.

[2]  المفوضية، حماية أفضل للاجئين في الاتحاد الأوروبي وعلى الصعيد العالمي: اقتراحات بشأن إعادة بناء الثقة من خلال إدارة أفضل وشراكة وتضمان، متوفرة على: http://www.refworld.org/docid/58385d4e4.html.

[3]  إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين، وثيقة الأمم المتحدة أ/71/ل.1، فقرة 24

المصدر : المفوضية السامية لشئون اللاجئين

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....