308

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بثت بيان جديد تحت عنوان “” وذلك بتاريخ “2017-11-12T19:22:38+00:00” ، وجاء فيه ما يلي :

«ارجع يا مينا. ارجع. وزي ما فتحت الباب لإخواتك أفتحهولك يا ابني.. كنت طول 45 يوم أعيط وأدعي ربنا يرجع عايش. لكن بعد استشهاده فضلت أحلم بيه إنه عايز يرجع بلده. ونشكر ربنا أن جثمانه فعلا هيوصل العور قريب». بابتسامة تقول «أم الشهيد» مينا فايز عزيز كما تُفضل أن يتم مناداتها، بعد أن ذُبح ابنها وعشرون قبطيًا وشاب أفريقي مسيحي في ليبيا على أيدي داعش في 15 فبراير 2015.
كان مكتب النائب العام الليبي، أعلن في 28 سبتمبر من العام الحالي اعتقال منفذ ومصور واقعة ذبح واحد وعشرون مسيحيًا في مدينة سرت الليبية في فبراير 2015، الذي أرشد أيضًا عن مكان دفن الجثامين، ونُشرت صور لجثث مكومة في ملابس برتقالية تماثل التي ظهر بها الضحايا في «فيديو الذبح».
في قرية العور٬ مركز سمالوط٬ المنيا٬ حيث ندبت القرية ثلاثة عشر من شبابها، وهو النصيب الأكبر من إجمالي واحد عشرون ضحية، ينتظر أهالي الضحايا وصول جثامين أبنائهم.

«الدنيا مش هتبقى سيعاني لما يجوا. يا ريت إنشالله هدومهم، أو أي حتة ولو صغيرة منهم هحس أن ضنايا معايا أكتر»، بلهفة تتحدث أم مينا وهي تجلس أمام مجسم كبير لصورة ابنها وهو يرتدي «التونية البيضاء»٬ الزي الكنسي المخصص للشمامسة٬ عن وعود النائب العام المصري المستشار نبيل أحمد صادق بسرعة اتخاذ الإجراءات لإعادة الجثامين واستكمال التحقيقات مع الجانب الليبي.
في منزل بشير اسطفانوس تجلس أمه، التي فقدت اثنان من أبنائها هما صموئيل وبيشوي، في صالة منزلها بعد أن وضعت مقتنيات ابنيها في دولاب كبير زجاجي، وتنتظر عودة جثمانهما. هي الأكبر سناً. تقول: «بحس كل يوم، إن في حد بيخبط علي يقولي لي أفتح لي يأما. أنا فخورة بعيالي ولما يجي جسدهم هكون فخورة أكتر».

أكثر من سنتين مرا على الحادثة، وأسر الضحايا يتذكرونها وكأنها كانت الأمس، يسردون الحكاية بينهم بصورة يومية، ومع كل خبر جديد يعاودون التفاصيل.
«أنا بتفرج على الفيديو اللي ظاهر فيه جزمهم وهدومهم وعضمهم كل يوم، وأدور على مينا، زي ما أتفرج على فيديو استشهادهم رغم أن الحريم والشباب حاولوا يمنعوني أشوفه لكن أنا أصريت. ولما سمعتهم بينادوا على يسوع، قلت ربنا يسامح اللي ذبحوهم لكن يشكروا أنهم بعتوا عيالنا السما»، تقول أم مينا.
تعلق سلسلة في صدرها تضم صورة ابنها مينا ومعه الشقيقين بيشوي وصموئيل اسطفانوس اللذان كانا من ضمن الضحايا، تنظر للصورة وهي تقبض عليها بيدها وتقول: «أنا يمكن تشوفيني كدة جامدة، لكن أنا ضعيفة أوي وأي حاجة تأثر في. لكن في مشوار مينا ده أنا جمدت، وربنا هو اللي أداني قوة، هما جرحونا لكن ربنا لمس قلوبنا ودوانا».

«أم الشهيد» أو «زوجة الشهيد» هما اللقبان اللذان حصلتا عليه النساء من أمهات وزوجات في قرية العور عقب  الحادثة، إلا أن أسماءهن الحقيقية تظل مخفية، حيث تودع غالبية النساء في صعيد مصر وقراها أسمائهن بعد الزواج وإنجاب طفلهن الأول، فُينادى عليهن بـ “أم فلان” وعادة يكون اسم الذكر الأول من أبنائها حتى إن سبقه فتيات، فيحل اسم الولد محل شقيقته، ويطوي النسيان أسمائهن اللواتي عشن به سنواتها قبل الزواج والإنجاب.
كما يودعن أسماءهن بعد الزواج، تودع النساء الألوان في الملبس بعد فقدان عزيز في أسرهن، فتقول أم مينا: «أنا مش لابسة الأسود حزن، لأن الحزن في القلب مش في اللبس، لكن ﻷن الحريم لازم يلبسوا أسود، وإحنا في الصعيد والريف الناس تعلق على كل حاجة، بس كيرلس ابني قال لي أوعديني يا أمي لما يجي جثامين الشهداء متلبسيش أسود تاني، فقلت له لو مينا جه هلبس أبيض».

في مربع واحد توجد منازل أسر الضحايا. تربط غالبيتهم علاقات دم أو مصاهرة. في منزل ماجد سليمان شحاته٬ تعيش أم صموئيل التي فقدت ستة أفراد من عائلتها من بينهم زوجها. ترتدي الأسود وتربط رأسها بطرحة سوداء كباقي نساء القرية من أهالي الضحايا. «أنا كنت تعبانة أوي، 6 رجالة من عيلتي استشهدوا، الشهيد كيرلس  ابن خالي، والشهيد أبانوب ابن عمي، والشهيد يوسف ابن ابن عمي، والشهيد هاني ابن خالي، والشهيد مكرم ابن خالي، والشهيد ماجد جوزي».
تتذكر أم صموئيل تفاصيل حياتها وحياة زوجها الذي أهتم بتعليم أبنائه رغم ضعف إمكانيته المادية، وتقول: «قبل ما يسافر ليبيا كان بيشتغل بيومية 40 جنيه وكان أهم حاجة عنده أنه يعلم العيال. عندنا فيفي رابعة كلية ألسنة، وصموئيل ثانية كلية وميرنا في تالتة اعدادي. نشكر ربنا ويساعدنا نكمل معاهم المشوار اللي أبوهم كان عايزه».
تباينت ردود أفعال أهالي الضحايا بعد تلقيهم خبر ذبح أبنائهم. منهم من نُقل للمستشفيات بسبب حالات إغماءات. إلا أن أم الشهيد كيرلس لفتت انتباه القرية ومازالوا يسردون بعجب رد فعلها، حيث أطلقت الزغاريد عقب مشاهدتها فيديو ذبح ابنها وعشرون آخرون، وحاول زوجها بشرى والجيران إثنائها وتهدئتها فكانت تصيح: «أنا ابني شهيد، أنا أم الشهيد». ورغم مرور أكثر من سنتين إلا أنها ما زالت تتحدث بالقوة والفرحة ذاتها.
«أيوة حزنت وعاتبت ربنا وقلت له: ليه يا رب عملت فينا كدة، هو إحنا عملنا إيه. لكن بعدها شكرته أنه استجاب لنا وثبتوا على إيمانهم». تقول أم بشير.
«إن كان أبني صرخ وقال يا يسوع هزغرد له. أن نكر إيمانه يبقى مش ابني. لو كان ابني رجع عايش وهو ناكر المسيح كنت أبقى حزينة وتبقى البطن اللي شالت مش طاهرة تبقى اللي شالت نجسة». بابتسامة شديدة الوضوح لا تفارق وجهها٬ تتحدث أم كيرلس عن ابنها وظروف مقتله، التي تراها وسام يجعلها تشعر بالفخر.
على عكس التماسك الذي رافق أم كيرلس، إلا أن زوجها بشرى بدا واهنا ويقاطعها مستعجبًا فرحتها، يحكي بمرارة عن فراق ابنه كيرلس. «أيوة متعزين من السماء، لكن أنا تعبت أوي بعد استشهاد كيرلس، ومش قادر أصدق واستحمل فراقه، إحنا بشر يا عالم، أنا مش عارف أمه جايبه القوة دي من فين. أنا صحتي أتأثرت وكنت في الغيط أقوم بشغل نفرين. دلوقتي بنزل بالعافية. عارف أن الاستشهاد في الكنيسة وعشنا طول عمرنا نسمع عنه، لكن دي أول مرة نشوفه كدة بعينينا، هو سهل، تشوفي ضناكي بيدبح وتكملي حياتك عادي».
وبالرغم من فجيعة الموت٫ إلا أن النساء يصررن على أن الأصعب عليهن كان فترة الاختطاف التي دامت خمسة وأربعون يومًا لا يعلمن فيها شيئًا عن رجالهن. فكن ينزلن الكنيسة طوال فترة الاختطاف يتجمعن بالمئات داخل كنيسة العذراء، حيث قرر راعي الكنيسة تكريس تلك الفترة للصلاة. فكن يحضرن الصلوات، ويطلبن عودتهم أحياء، إلا أنهن يختمن صلاتهن بـ «يا رب ثبتهم على إيمانهم». لا ينفين الألم ولكنهن يتشبثن بالتعزية.
«لما شفنا في الفيديو الاستشهاد على كلمة يا ربنا يسوع المسيح نزلت علينا تعزية كبيرة أوي وسلام، وفرحت دلوقتي أكتر لما عرفت أن الجثامين هترجع وقولنا يا رب تمم مشوارهم وخليهم يوصلوا». يقطع كلامها صمت وابتسامة تعجب وتعاود حديثها. «لما يكون في عجوز في البيت يموت نقفل التليفزيون بالسنة، لكن من يوم الاستشهاد٬ التلفزيون مش مبطل في بيوتنا والفرح مالي القلب ونستعجب على حالنا، بس برضو هما وحشونا أوي وحشنا صوتهم وضحكتهم». تقول زوجة ماجد٬ أحد ضحايا الحادث.

على مدار سنة ونصف٬ توحد أهالي ضحايا «العور» مع حزنهم الخاص، فكان واقع ذبح أبنائهم بسبب هويتهم الدينية أكبر من قدرتهم على الاستيعاب كما رددوا، حتى انتشلهم حزن عام فرض نفسه بسقوط عشرات القتلى من المسيحيين على يد الإرهاب، بدء بتفجير كنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، وغطى السواد منازل مئات الأسر المسيحية في محافظات مختلفة، فخرجت الأتوبيسات من قرية «العور» أكثر من مرة لتأدية واجب العزاء، كان آخرها واجب العزاء لدى أسرة القس سمعان شحاته الذي تم قتله يوم الخميس 12 أكتوبر في المرج.
كان هناك أيضا نزوح عشرات المسيحيين من العريش للإسماعيلية في فبراير 2017 بعد مقتل 6 مسيحيين في أسبوع، وتهديدات نُسبت لداعش بقتل المسيحيين حال بقائهم في العريش. وبعد هذه الأزمة٬ جاء «الأحد الدامي» في كنيسة مارجرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية، يوم أحد الشعانين 9 أبريل 2017 حين سقط 18 قتيلًا، والذي أعقبه حادث قتل 29 مسيحيًا كانوا في طريقهم لزيارة دير الأنبا صموئيل في المنيا صباح يوم الجمعة 26 مايو 2017.
«أنا مخرجتش برة العور كتير. يمكن رحلات مع الكنيسة وخلاص. لكن بعد استشهاد ابني، استشهد مسيحيين تانين، فبقينا نسافر نعزي فيهم ونقعد كلنا نتكلم ونحكي ونصبر بعض». تحكي أم بشير، عن مشاركتها مع أهالي العور في تقديم واجب العزاء في ضحايا عمليات إرهابية استهدفت أقباط مصر على مدار عامين.
تمتد قرى الصعيد متجاورة لا يفصلها حدود وإنما مجرد لافتات توضح أسمائها. وأحيان كثيرة لا توجد ويتم التعرف عليها من خلال علامات كجسر فوق مجري مائي أو منعطف بعد نهاية سوق أو غيرها من العلامات التي يتفق عليها المواطنون كعلامات لنهاية حدود قرية وبداية أخرى، يرشدون بها الغرباء.
«متسألوش حد على كنيسة الشهداء، قولوا عايزين قرية العور وخلاص، عشان محدش يضايقكم». نصحنا شاب يركب دراجة بخارية، ويظهر وشم العذراء كبير على ذراعه.
ومن على بعد قبل مدخل قرية العور، تظهر كنيسة بيضاء وسط الأراضي زراعية، تبدو أنها حديثة البناء ولم ينته العمل بها، وهي كنيسة شهداء الإيمان والوطن التي أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرار في 2015  ببنائها تكريماً لذكرى الضحايا.
قرار الرئيس بأن تُبني الكنيسة داخل القرية في المنطقة الغربية لم ينل موافقة مسلمي القرية. فقد خرجوا في مظاهرات عقب صلاة الجمعة 23 مارس 2015 ضد بنائها، وحاصروا كنيسة العذراء بالقرية، وهي الكنيسة الوحيدة في القرية وهتفوا: «بالطول بالعرض. مفيش كنيسة على الأرض». وأحدثوا تلفيات في مبني الكنيسة الخارجي وأحرقوا سيارة مملوكة لمسيحي.
تدخل الأمن بفض التظاهرة والإفراج عمن تم القبض عليهم في اليوم ذاته دون توجيه أي اتهامات، واضطر المسيحيون للخضوع والتنازل عن محاضر التعدي بالضرب والاعتداء على من حاول منهم الدفاع عن الكنيسة وقبول شروط مسلمي القرية في الجلسة العرفية التي عقدها محافظ المنيا اللواء صلاح زيادة ببناء الكنيسة خارج القرية على أرض وقف مملوكة للكنيسة بالأساس.
«قالوا لنا هدوا كنيسة العذراء وأبنوا مكانها الكنيسة الجديدة، رغم أن الرئيس هو اللي أمر ببنائها وأدانا 16 مليون جنيه، بس هما قالوا مش هيكون في كنيستين في القرية أبدا، وسيدنا في الآخر وافق إننا نبنيها برة خالص». يقول عم عابد حارس كنيسة شهداء الإيمان والوطن لـ«ـمدى مصر».

قرية العور هي إحدى قرى مركز سمالوط بمحافظة المنيا، ويبلغ تعداد سكانها أكثر من 5 آلاف نسمة، أغلبهم من الأقباط، إلا أنه يوجد بها مسجدين وكنيسة واحدة، وهي كنيسة العذراء التي يقول عنها عم عابد إنها تخدم مسيحيين القرية وثلاث قرى أخرى مجاورة هم سوبي ووسيلة٬ لا توجد بهما كنائس، وقرية دبوس، حيث توجد بها كنيسة مبنية بالفعل ولكن بعد وقت رفض مسلمي القرية إقامة الصلاة فيها فأغلقها الأمن.
تغيرت حياة أهالي الضحايا، وكانت للقرية نفسها النصيب من التغيير بعد أن تحولت الإشارات للشوارع بأسماء الضحايا. فما أن تسأل عن بيت عائلة ما فيأتي الرد «عند بيت الشهيد ماجد» أو «بيت الشهيد صموئيل». وهكذا حصلت العُطف –شوارع صغيرة بالقرى- على أسماء تُخلد ذكرى أبنائها، الأمر الذي يثير تحفظ بعض أهالي القرية المسلمين كما روى بعض أهالي الضحايا.
ويؤكد عم عابد أن العلاقة بين مسلمي القرية ومسيحيها لم تشهد إطلاقاً أي توترات إلا بعد ذبح أبنائها الأقباط، وتوافد الإعلام ومسؤولي الدولة لزيارة بيوت المسيحيين، وتسليط الضوء على معاناتهم وقرار الرئيس ببناء الكنيسة، موضحًا أن التظاهرات التي خرجت ضد بناء الكنيسة لم يكن فيها مسلمي القرية فقط وإنما مسلمي القرى المجاورة الذين انضموا لهم عقب صلاة الجمعة.
تم نشر هذا المقال عبر موقع مدى مصر بتاريخ 10 نوفمبر 2017

==
المصدر: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

Comments
جاري تحميل التعليقات .... الرجاء الإنتظار قليلا .....